العداء للمهاجرين والاسلاموفوبيا وقود اليمين المتطرف

"العداء الشعبوي للإسلام في ألمانيا وصل إلى قلب المجتمع"

أثارت حركة "بيغيدا" المعادية للإسلام في ألمانيا، والتي استقطبت مؤخراً أعداداً كبيرة من المشاركين في مظاهراتها، جدلا حادا حول مدى خطورتها على الديمقراطية الألمانية والتعايش السلمي فيها. خبير الحركات المجتمعية، أوليفر ناختفاي، يعتبر هذا الظاهرة الجديدة على المشهد السياسي الألماني نتيجة للإحباط من الأحزاب السياسية الألمانية ولتوظيف العداء الشعبوي للإسلام من قبل قوى يمينية متطرفة.

قبل عدة أسابيع كانت حركة "أوروبيين وطنيين ضد أسلمة الغرب"، المعروفة اختصارا باسم (بيغيدا)، حركة صغيرة على موقع "فيسبوك". لكنها تمكنت يوم الاثنين الماضي من استقطاب عشرة آلاف شخص إلى مظاهرة نظمتها في مدينة درسدن الألمانية. كيف يمكن تفسير ذلك؟

أوليفر ناختفاي: هناك تفسيران يكملان بعضهما البعض. أولهما هو صعود موجة عنصرية جديدة ضد المسلمين مبنية على القلق من تلاشي قيم الغرب. وهذا نتاج لمجتمع عصبي لا فرصة فيه للصعود إلا لقلة قليلة، ويسود فيه شعور دائم بالمنافسة والصراع على المناصب والثروات. لذلك، فإن المشاعر التي تتولد هنا لا يُلام عليها النظام بأكمله، وإنما "الآخرون" أو "الأجانب". يضاف إلى ذلك التأكيد الذي تضفيه السياسة، مثل تصريحات مسئولي حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي حول ضرورة إجبار الأجانب على تكلم اللغة الألمانية حتى داخل منازلهم.

أما التفسير الثاني، فهو أن الأحزاب والمنظمات الكبرى لم تعد تمثل الشعب. ولأن قنوات التعبير عن المخاوف بدأت في الاختفاء، فقد ظهرت حركات احتجاجية مبنية على قاعدة شعبية، بعضها يساري مثل حركة "احتلوا"، والبعض الآخر يتبنى نظريات المؤامرة، مثل مظاهرات يوم الاثنين التحذيرية، وغيرها يميني، مثل حركة "بيغيدا".

,  أوليفر ناختفاي باحث في الشؤون الاجتماعية بالجامعة التقنية في مدينة دارمشتات وخبير في الحركات المجتمعيةFoto: privat
أوليفر ناختفاي باحث في الشؤون الاجتماعية بالجامعة التقنية في مدينة دارمشتات وخبير في الحركات المجتمعية. في شهر مارس/ آذار المقبل، يصدر له كتاب بعنوان "مجتمع الهبوط"، يناقش العلاقة بين ازدياد الشعور بانعدام المساواة والصراع في المجتمع الألماني.

ما هي قنوات التعبير عن المخاوف التي تقول إنها بدأت بالاختفاء؟

ناختفاي: ما هي، مثلاً، الاختلافات بين الأحزاب السياسية الكبرى في ما يتعلق باليورو؟ إن هذه الأحزاب متفقة في ما بينها حتى على موضوع حد الرواتب الأدنى. لقد وُجدت الأحزاب السياسية كوسيلة لتنظيم وجهات نظر المجتمع – من اليمين إلى اليسار – ولتسييرها في قنوات برلمانية بهدف تدجينها وإكسابها مظهراً حضارياً.

أليس ذلك مظهراً من مظاهر اختفاء بعض طبقات المجتمع الألماني وضعف حالة الاستقطاب داخله؟

ناختفاي: هذا صحيح إلى حد ما. الطبقات المعتادة، مثل طبقة العمال والطبقة الوسطى، والفروقات في المعتقدات غير موجودة في صورتها التقليدية حالياً. والأحزاب تعكس هذا التغير أيضاً. لكن داخل الهياكل الحزبية، فإن الطبقات المجتمعية الممثلة فيها متجانسة. وإذا ما نظرنا إلى كوادرها، فسنجد أغلبها أشخاصا ولدوا وترعرعوا في كنف عائلات من الطبقة الوسطى، ودرسوا في الجامعات وبحثوا عن فرص للصعود في المجتمع من خلال العمل السياسي.

لكن سبب صحة ما ذكرت بشكل جزئي هو أن انعدام المساواة في ألمانيا، ومنذ تسعينيات القرن الماضي، في ازدياد، ما يؤدي إلى ظهور طبقة فقيرة جديدة. وبينما تزداد الطبقات الفقيرة عدداً، تركز الأحزاب السياسية انتباهها على الطبقة الوسطى.

; Foto: picture-alliance/dpa
ناختفاي: ما نشهده في درسدن هو أقوى مشهد لحركة متواجدة بالفعل في عدة أماكن. ففي ولاية شمال الراين ويستفاليا، مثلاً، هناك عدد من الحركات المدنية المعادية للإسلام. لكن ما هو غير موجود حتى الآن هو الرابط السياسي بين هذه الحركات، وذلك لأن المواطن العادي لا يريد أن يرتبط بأحزاب يمينية متطرفة مثل الحزب القومي الديمقراطي الألماني والنازيين.

من برأيك، يمكن أن ينجذب إلى أفكار "بيغيدا"؟

ناختفاي: لا تزال الأبحاث الاجتماعية في هذا الصدد شبه معدومة. لكن بالنسبة لي، تبدو هذه الحركة تحالفاً من المواطنين المنتمين إلى الطبقة الوسطى وطبقة العمال المهرة. لكن هذا التحالف يضم أيضاً بعض أعضاء الجزء الأعلى من الطبقة الوسطى. وسبب ظهور هذا التحالف المبني على العواطف من رحم الطبقة الوسطى مردّه إلى أن العواطف التي بُني عليها هذا التحالف متأصلة في تلك الطبقة. وتظهر الدراسات طويلة الأمد للباحث الألماني فيلهلم هايتماير من بيلفيلد أن مشاعر معاداة الأقليات أكثر نمواً لدى أفراد الطبقة الوسطى.

هل تمتلك "بيغيدا" إمكانية التحول إلى حركة تعم ألمانيا؟

ناختفاي: ما نشهده في درسدن هو أقوى مشهد لحركة متواجدة بالفعل في عدة أماكن. ففي ولاية شمال الراين ويستفاليا، مثلاً، هناك عدد من الحركات المدنية المعادية للإسلام. لكن ما هو غير موجود حتى الآن هو الرابط السياسي بين هذه الحركات، وذلك لأن المواطن العادي لا يريد أن يرتبط بأحزاب يمينية متطرفة مثل الحزب القومي الديمقراطي الألماني والنازيين. المواطن العادي يريد أن يبقى جزءاً من مؤسسات الدولة. يريد أن يقول: نحن أوروبيون وفي حقيقة الأمر معارضون للحرب. لذلك، فإن الخطر كبير أن تقوم الأحزاب السياسية بتبني هذه الأفكار. فيوم أمس، مثلاً، قام بيرند لوكه، زعيم حزب "البديل لألمانيا"، بالترحيب بما تقوم به "بيغيدا"، وذلك على صفحته في موقع "فيسبوك". إن لوكه ينتمي إلى جناح في الحزب يظهر نفسه على أنه قريب من المواطن ومنفتح وليبرالي. لذلك، فإن هناك خطراً من أن يتحول هذا الحزب بأكمله إلى تبني العنصرية المناوئة للإسلام.

ما الذي يجب على المجتمع فعله للتعامل مع "بيغيدا"؟

ناختفاي: لقد قام سكان درسدن بذلك مسبقاً. لقد تغاضوا في بادئ الأمر عن هذه المشكلة. ولكن يوم الاثنين الماضي، عندما خرج عشرة آلاف مناصر لـ"بيغيدا" في مظاهرة، خرج عشرة آلاف متظاهر ضدهم. يجب أن لا ننسى أن درسدن مكان له خصوصية، فهي كانت في العقد الأخير مسرحاً للعديد من مسيرات النازيين من مختلف بقاع أوروبا. لكن المجتمع المدني هناك نجح خلال السنوات الخمس الأخيرة في منع هذه المظاهرات من خلال مظاهرات حظيت بمشاركة واسعة النطاق ورافقها عصيان مدني. ولأول مرة لم تنظم مرة هذا العام مسيرة للنازيين الجدد في هذه المدينة.

طالب رئيس حكومة ولاية ساكسونيا، ستانيسلاف تيليش، بإجراء حوار مع مناصري "بيغيدا". فما هو رأيك في ذلك؟

ناختفاي: أجد من الصعوبة بمكان إجراء حوار مع أشخاص مدفوعين بالعواطف. يجب علينا مواجهة الحجج التي يطرحها هؤلاء وانتقادها بشكل علني، أي القيام بحملة توعية. لكنني أرى أن من الخطأ إعطاء "بيغيدا" أكبر من حجمها الحقيقي عبر دعوتها إلى حوار. وإذا ما فكرنا بأن "بيغيدا" يرأسها شخص فاشل له سوابق إجرامية، فإن علينا أن نتساءل حول الخطر الكامن في مجتمعنا من عواطف قادرة عل تحريك المجتمع بهذه الطريقة. ولذلك، فإن دور المجتمع المدني يجب أن يكون دوراً مزدوجاً: منع هذه المظاهرات بشكل مباشر ومواجهتها، وطرح النقاش بشكل عام حول المشاعر بخصوص الإسلام وعدم تحمل إبداء أي تسامح مع مثل هذه العواطف.

 

اجري المقابلة: دينيس شتوته

حقوق النشر: دويتشه فيله 2014

أوليفر ناختفاي باحث في الشؤون الاجتماعية بالجامعة التقنية في مدينة دارمشتات وخبير في الحركات المجتمعية. في شهر مارس/ آذار المقبل، يصدر له كتاب بعنوان "مجتمع الهبوط"، يناقش العلاقة بين ازدياد الشعور بانعدام المساواة والصراع.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "العداء الشعبوي للإسلام في ألمانيا وصل إلى قلب المجتمع"

في راي ان سبب العداء الشعبوي الالماني والاوروبي عموما على الاسلام، ستكون له لا محال علاقة وطيدة برغبة الباترونات الراسمالية الاوروبية في توفير يد عاملة اجنبية اسلامية رخيصة ،من اجل ردع واخضاع اليد العاملة المحلية لاوامرها السياسية الاستبدادية و الاقتصادية الريعية، و الواقع ان الغرب لا يعاني فقط من التطرف الديني،بل كدلك يعاني من مخلفات الاستعمار و من تبعيات التحول من النظام الاقطاعي و هيمنة رجال الدين الى اديلوجية الاقتصاد الريعي و الرغبة في ردع ابناء الثورة عن طريق اليد العاملة الرخيصة المؤقتة الايلة للاننفجار،لاسباب متعددة،و على راسها العداء الشعوبي الغربي ،تم اليأس في الرجوع الى وطنها الام لما تعانيه من تسلط و استبداد او حروب اهلية ،وبهدا سيبقى الكل يعاني ،الباترونة الغربية تعاني من الاحزاب اليمينبة ،و الشعب يعاني من مضايقته بالجالية ،و الجالية تعاني من عداء الشعب،لان الغرب لم يزل بعد لم يضع رجله على نظام سياسي و اقتصادي تحترم فيه حقوق المستعمرات و حقوق الجالية و حقوق اليد العاملة المحلية.

الحسن لشهاب/المغرب03.11.2016 | 21:37 Uhr

في راي ان العداء ضد الاسلام ،كان في بدايته ينحصر بين الطبقة الغربية المتضررة اقتصاديا و حقوقيا ، و بين الجالية المسلمة ،كونها تمثل اليد العاملة الرخيصة ،التي كانت السبب في اطاحة كل ما بنته الثورة الصناعية في اوروبا ،من حقوق افتصادية و اجتماعية ،تم بعد انتشار ظاهرة الارهاب ،التي تمس امن و استقرار مصالح البلاد كلها و على راسها الباترونات السياسية و الاقتصادية المستفيدة رقم واحد من اليد العاملة الرخيصة ،تطور هدا العداء ليصبح دو وجهين متوازيان ،وجه يحمل طابع حقوقي اقتصادي و اجتماعي و وجه يحمل طابع ديني يتجلى في المس الاستقرار الامني .و الحل ادن هو ضرورة اللجوء الى وضع قوانين صارمة و وموضوعية ،من جهة تضع سقفا لحرية التعبد بالنسبة للجالية ،و من جهة اخرى تحترم فيها حقوق الجالية الاقتصادية ، و بين هده وتلك ينبغي ضرورة احترام حقوق اليد العاملة المحلية و كل ما بنته الثورة الصناعية من مجد وحقوق ثقافية و اجتماعية لابناء اوروبا ،و للوصول الى هده الغاية فان صناع القرارات الغربية الاقتصاديين و خدامهم السياسيين مطالبين بتقديم تضحيات بارادتهم قبل ان تكون بارادة الطبقة الغربية المتضررة من سياسة استقبال الجالية بوفرة من اجل تحطيم مطالب اليد العاملة المحلية و سياسة الانتقام من الثورة الصناعية ،بمساعدة و اقتراحات الدكتاتورات الاسلاموفيا .

الحسن لشهاب/المغرب04.11.2016 | 17:41 Uhr