ثم شرح الصياد السومري كيف يحصل الصيادون ومربو الجاموس على خدمات البيطرة في هذا المكان: "حين تمرض جاموسة، نذهب إلى دائرة البيطرة في القضاء، ونشرح للطبيب الأعراض، ونأخذ أحيانا لها صورة بهواتفنا السمارت، فيكتب لنا دواء، ونعود به إلى الجاموسة، أما في حال تعسر ولادة الجاموس، فنتولى نحن مساعدتها، ولا يمكن إجراء عملية قيصرية لها كما يجرى مع الأبقار، لأنّ الجاموسة تنزل إلى الماء فيتلوث جرحها وتموت.  وهذا يعني، إذا تعسرت الولادة ولم تتم، فستموت الجاموسة ووليدها (ويُسمى "شفج" إن كان ذكراً، و "حولية" إن كانت أنثى) ".

حلَّتْ الظهيرة، وباتت شمس الأهوار محرقة، فألحّ أبو كرار أن ننزل عنده ليستضيفنا على طعام الغذاء، لكننا اعتذرنا، وشكرناه وغادرنا جزيرته القصبية (الجبش) بحثاً عن قصص أخرى.

 

قارب فارغ في هور الجبايش العراقي. الصورة: ملهم الملائكة
قارب فارغ في هور الجبايش العراقي: عبد جلوب الأسدي من سكان هور الجبايش العراقي وهو صياد ترك العمل بسبب ضعف بصره، وبات يعيش على حافة اليابسة رافضاً أن يغادر الهور تماماً. الصياد عبد يبلغ من العمر 67 عاماً، وقد ولد في هذا المسطح المائي ومارس الصيد حتى جاوز عمره الستين، فأقعده فقدان البصر عن مهنة آبائه وأجداده منذ أربعة أعوام.

 

صياد "متقاعد" يروي حكايته

رسا زورقنا في منطقة "أبو سوباط"، وهي ضفة نصف يابسة من الهور، شُيّدت فيها بيوت بسيطة من الآجر والإسمنت، وإلى جانبها مضيف من قصب، دخلناه ليستقبلنا عبد جلوب الأسدي، وهو صياد ترك العمل بسبب ضعف بصره، وبات يعيش على حافة اليابسة، رافضاً أن يغادر الهور تماماً.

الصياد عبد يبلغ من العمر 67 عاماً، وقد ولد في هذا المسطح المائي ومارس الصيد حتى جاوز عمره الستين، فأقعده فقدان البصر عن مهنة آبائه وأجداده منذ أربعة أعوام.

ويشرح ذلك بالقول " كان أبي مربي جاموس، أما الصيد فقد تعلمته في صباي من مرافقة الصيادين، حيث كنا نرمي الشباك في الهور، ونصطاد السمك، أما الصيد بالفاله، فقد مارسته أحيانا، لكنه صعب، فهو يتم في المياه العميقة بموسم الشتاء حيث يصفو الماء من الغرين، ويجري الصيد ليلاً، حيث يسلط نور اللوكس (قنديل أبيض النور) على الماء، وتوضع خلفه مظلة لتحصر النور باتجاه الماء فحسب، فيجمد السمك خائفا، ليقنصه الصياد بالفاله. هو نوع بالغ الصعوبة من الصيد، لكنّ الصياد الماهر لا يخطئ السمكة، فيكون جني صيده وفيراً دائماً".

وعن الصيد بالشباك، شرح الصياد الأسدي أنّ "الصيد بالشباك هنا يختلف عن الصيد في الأنهار، حيث يجب على الصياد أن ينظف مساحة من الماء من القصب، ثم يضع الشبك بمنطقة تقطع مجرى الماء خلالها، وفي الصبح، يجمع الشباك والسمك العالق فيها، ويصل وزن بعض الأسماك إلى 12 كيلوغراما".

ومضى الشيخ الأسدي يروي معاناة الصيادين من الصيد الجائر، كاشفاً أنّ كثيراً منهم يلجأ إلى وضع السموم في الماء، فتقتل السموم كل أحياء الهور وتقضي على الحياة فيه، لكنه عاد وأشار إلى أن الصيد الجائر بالكهرباء الذي مارسه الوافدون على الهور، بات ممنوعاً قانونيا، ويقع من يمارسه تحت طائلة القانون.

وكشف الشيخ عبد الأسدي أن الماء قد وصل منطقته منذ أسبوع فحسب، حيث أنها كانت شبه جافة، وتحولت من أهوار إلى مستنقعات بسبب الجفاف الذي ضرب المنطقة في السنوات الأخيرة.

 

جانب من هور الجبايش العراقي. الصورة: ملهم الملائكة
يروي عبد جلوب الأسدي معاناة الصيادين من الصيد الجائر في هور الجبايش العراقي، كاشفاً أنّ كثيرين يلجؤون إلى وضع السموم في الماء، فتقتل السموم كل أحياء الهور وتقضي على الحياة فيه، لكنه عاد وأشار إلى أن الصيد الجائر بالكهرباء الذي مارسه الوافدون على الهور، بات ممنوعاً قانونيا، ويقع من يمارسه تحت طائلة القانون.

 

{"صيد جائر - كثيرون يلجؤون إلى وضع السموم في ماء هور الجبايش العراقي فتقتل السموم كل أحياء الهور."}

 

شحة الماء جعلت تربية الجاموس صعبة، علاوة على أن حاجة الشيخ الأسدي إلى المال أجبرته على بيع الحيوانات (الحلال) لتزويج أبنائه. ومصدر رزق عبد الأسدي وأبنائه اليوم هو بيع القصب كعلف لمن يربون الدواب خارج منطقة الهور، كما أنهم يمارسون قيادة الزوارق للترفيه عن السائحين في جولات داخل المنطقة، لكنّ ذلك يتحدد في عطل نهاية الأسبوع والأعياد، بمعنى أنّه ليس عمل مستدام.

الأسدي: "حياتنا هي سمكة أو دابة أو قصبة"

السهل الرسوبي جنوب العراق هو موطن السومريين، ولكنه تعرض في عهد نظام صدام حسين إلى التجفيف، بسبب إيوائه ثوار الأهوار، الذين ما برحوا يقطعون الطرق ويشنون الغارات على مراكز الشرطة ووحدات الجيش، وبسبب هذا أقام النظام ما عرف بنهر القائد، لتجفيف الأهوار، وهو ما كشف عنه الشيخ عبد الأسدي مبينا أنهم قد أُجبروا على الهجرة إلى منطقة سدة الهندية وإلى قرية فريحة في كربلاء عام 1995. 

ثم عاد المهجّرون إلى مناطقهم عام 2004 بعد سقوط نظام صدام حسين وإثر قيام السلطات بفتح الماء لإعادة إغمار الأهوار. ويختم الشيخ الأسدي حكايته بالقول: "بعد أن عاد الماء، وبعد أن رحل النظام الذي أحرق القصب، دبّت الحياة في المنطقة، ونبت القصب والبردي، فعدنا إلى هنا، إذ لا حياة لنا خارج الهور، وكل حياتنا هي سمكة أو دابة أو قصبة". 

 

 
ملهم الملائكة - هور الجبايش العراقي
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.