تغيّر في العادات

وعذراء ليست المرأة الوحيدة التي تدير مشروعاً في المدينة، فبعد هزيمة تنظيم "داعش"، ونتيجة للاستقرار السياسي في الوقت الحالي، تطالب النساء بحصتهنّ في الفضاء العام للمدينة. وفي حي المنصور، الذي يقع فيه مقهى "La Femme"، أصبحت معظم المقاهي والمطاعم مختلطة، حيث تدخن النساء النرجيلة (الشيشة) إلى جانب الرجال.

وقد وصلت رياح التغيير إلى الشوارع أيضاً، حيث ترتدي النساء الثياب الملونة، بدلاً من العباية السوداء. وحتى الحجاب، أصبحت بعض النساء تستغني عنه، مثل ميس التي تفضل ارتداء الجينز.

وينطبق الشيء نفسه على ميري الخفاجي، التي تزوجت مصطفى العاني مؤخراً. تنضم الخفاجي العشرينية إلى زوجها العشريني لتدخين النرجيلة سوية في حديقة شهيرة ببغداد. شعرها أسود منسدل وترتدي قميصاً أخضر مع الجينز.

زواجهما أيضاً هو إشارة أخرى على تغير الجو العام في بغداد، فحقيقة كونها شيعية وهو سني كانت ستؤدي إلى مشاكل كبيرة قبل عدة سنوات. لكن ومنذ أن اتحد العراقيون لطرد تنظيم "داعش"، عادت الزيجات المختلطة إلى البلاد، بل وأصبحت بين الشباب في بغداد الزيجات "العادية الجديدة".

تجاوز مصطفى العاني وميري الخفاجي انتماءهما إلى طائفتين مختلفتين وتزوجا. الصورة: يوديت نويرينك& دويتشه فيله
يقول العاني: "رغم أن الزيجات المختلطة هي الزيجات "العادية الجديدة" في بغداد، على حد تعبيره، إلا أنها أقل شيوعاً في المناطق المحافظة بشكل أكبر والمناطق المعزولة خارج العاصمة".

قبل سقوط نظام صدام حسين عام 2003، كان من الطبيعي أن يتزوج العراقيون من الطوائف والأديان المختلفة بحرّية. لكن النظام الجديد قسم البلاد حسب المعتقد، وعندما وصلت الأغلبية الشيعية إلى السلطة، أدى ذلك إلى نشوب حرب أهلية بين الطوائف، وصعود المتطرفين، وفي نهاية المطاف ظهور تنظيم "داعش". ونتيجة لذلك، أراد الآباء لأولادهم أن يتزوجوا ضمن مجموعتهم المذهبية. "لكن بعد داعش، قرر العديد من العراقيين أنهم يريدون ترك تلك الحقبة السوداء وراءهم والعودة إلى الوقت قبل الانقسامات"، كما يقول الزوجان الشابان.

ورغم أن الآباء يختارون أزواج أولادهم، بحسب العادات في العراق، إلا أن الزوجين تعارفا في شركة الاتصالات التي يعملان فيها. وهما ليسا الوحيدين في ذلك، حيث أن العديد من الشباب والشابات يتعارفون في أماكن العمل أو خلال الدراسة لتتطور العلاقة بينهم إلى الزواج.

وسائل التواصل الاجتماعي تجلب التغيير

ويشير الزوجان إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها تأثير كبير (في التغيير)، وذلك من خلال تزويد الشباب بطريقة جديدة لتكوين صداقات جديدة ضمن المجتمع العراقي المحافظ. وبما أن معظم الناس لا يستخدمون أسماء عائلاتهم – التي غالباً ما تكشف طائفتهم- على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الناس لا يعرفون فعليًا المذهب الذي ينتمي إليه أصدقاؤهم الجدد. وعندما يكتشفون ذلك، فقد يكون الحب قد ازدهر.

يقول العاني إن وسائل التواصل الاجتماعي شجعت الشباب على أن يكونوا ذوي فكر نقدي بشكل أكبر، ويضيف: "ترعرع الشباب السنة والشيعة سوية على انتقاد الدور الذي تلعبه الأحزاب السياسية الدينية وتأثير الدين على المجتمع". ورغم أن الزيجات المختلطة هي الزيجات "العادية الجديدة" في بغداد، على حد تعبيره، إلا أنها أقل شيوعاً في المناطق المحافظة بشكل أكبر والمناطق المعزولة خارج العاصمة.

ويشكل نظام الزواج نفسه عائقاً آخر، حيث يتوجب على الزوجين اختيار المذهب الذي يريدان تسجيل زواجهما به، حيث أن لكل طائفة عاداتها الخاصة فيما يتعلق بقوانين الزواج والطلاق. وعلى الرغم من أن قوانين الطلاق الشيعية أفضل قليلاً للنساء، كما يقولان، إلا أن الزوجان اختارا القوانين السنية. تقول الخفاجي: "نصحتني السيدة في المحكمة باختيار الضد (القوانين الشيعية)، إلا أنني لا أكترث بذلك"، مشيرة إلى أنها سئمت من الفصل المذهبي.

الناشطة العراقية هناء إدوار. الصورة: دويتشه فيله
تعتبر الناشطة هناء إدوار أن تحسن الوضع الأمني بعد "داعش" هو المحرك الرئيسي للتغيير، وتضيف: "إنه التأثير النفسي لإزالة جميع هذه الحواجز. الشابات يقلن لأنفسهنّ إن الوضع مهيأ الآن، من أجل العيش بشكل طبيعي مجدداً. إنهنّ يتركنَ الحجاب ويلعبنَ دوراً فعالاً في المجتمع. وعوائلهنّ موافقة على ذلك".

إزالة الحواجز هي المحرك الرئيسي
وترى هناء إدوار، وهي ناشطة معروفة ترأس جمعية الأمل في العراق، أن تحسن الوضع الأمني بعد "داعش" هو المحرك الرئيسي للتغيير، وتضيف: "إنه التأثير النفسي لإزالة جميع هذه الحواجز. الشابات يقلن لأنفسهنّ إن الوضع مهيأ الآن، من أجل العيش بشكل طبيعي مجدداً. إنهنّ يتركنَ الحجاب ويلعبنَ دوراً فعالاً في المجتمع. وعوائلهنّ موافقة على ذلك".

وتقول إدوار إن الآباء يدركون أن أطفالهم بحاجة إلى مزيد من الحرية، ما أدى إلى تجمعات مختلطة من الشباب والشابات في المقاهي. كما أن الورشات التي تقيمها جمعيتها أيضاً أصبحت أكثر اختلاطًا.

وتضيف الناشطة العراقية: "يسمح الآباء لبناتهم بالسفر بمفردهنّ إلى البصرة أو أربيل الآن". وقبل ذلك كان يجب أن يرافقهنّ الأب أو أحد الإخوة. وتتابع إدوار: "خلال الحرب ضد داعش، رأينا شباباً وشابات يتكاتفون من أجل تقديم الدعم للمدنيين". وتطرأ هذه التطورات رداً على الطريقة التي كان يقوم بها تنظيم "داعش" بتقييد حريات الشباب. ونتيجة لذلك تستعيد النساء مكانتهنّ في الفضاء العام.

وتختم هناء إدوار: "النساء يمثلن على المسارح مجدداً، وكان هذا قد أصبح شيئاً غير مسموع تقريباً، كما إنهنّ يتحدثن علناً – ضد الزواج القسري على سبيل المثال. إنهنّ يحطمن الجدران، ويبدأن حتى بهزّ العادات القبلية".

يوديت نويرينك/م.ح

حقوق النشر: دويتشه فيله 2119

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.