إشكالية محاربة الفساد في العراق تتحرك ضمن الزبائنية السياسية وموجهاتها الدعائية الشعبوية، تفتقر إلى إرادة المحاسبة الحقيقية فيما تظل أدواتها بعيدة عن ملاحقة الفاسدين وتقديمهم إلى العدالة، وتشتغل في إطار الترضية والتصفية بين الخصوم السياسيين، فحتى الاستجوابات التي تُطرَح في مجلس النواب وتُطيح بوزراء او مسؤولين فاسدين كبار، تتحرك داخل إطار تحقيق التوازنات، والكيفية التي تحافظ بها تلك الجماعات السياسية النفعية على مصالحها الاستراتيجية.
 
مسلحون عراقيون في العراق بتاريخ 21 / 06 / 2014.
من "جيش المهدي" إلى "الحشد الشعبي": الصدر ما زال يحتفظ بميليشيا مسلحة منذ عام 2003، يرفض حلّها، وفي الأوقات التي بدت الضغوطات فيها رهيبة، يعمد إلى خيار "التجميد" أو تغيير اسم المجموعة المسلحة، والإعلان عن الخصائص الجديدة لها، ويرسم زبائنية مبتكرة للسلاح الذي يحافظ عليه في كل مرة. في منتصف تموز / يوليو 2003 أطلق الصدر ميليشياه ردّاً على تشكيل سلطة الاحتلال المؤقتة "لمجلس الحكم العراقي"، وبموازاة ذلك ابتدع لنفسه خطاً راديكالياً بطموحه إلى "تأسيس دولة إسلامية تسعى لتطبيق الحكم الشرعي (...) عبر جيش إسلامي مطيع لمراجعه وقواده"، هذه النظرة الخلاصية أدت إلى تفريخ الكيانات المُسلحة في المقسم الشيعي قبالة التفريخ الحاصل على المقسم السُني، وربما أن أغلب الجماعات الشيعية المُسلحة خرجت من بطن التشكيل الأول للصدر، وتنامت فيها بعد وصولاً إلى تشكيل "الحشد الشعبي"، وفق ملاحظة صفاء خلف.
 
لم يستطع الصدر تقديم أياً من سياسييه الفاسدين إلى القضاء، بل تحرك بعيداً عن سلطة الدولة التي يدعي أنه متكفل بحمايتها والخضوع لها، وأسس لنفسه مكتباً للمحاسبة والتطهير. وعَمَدَ على غيّرِ مرَّةٍ إلى احتجاز أتباعه عُرّفياً كعقوبة لهم على عصيانهم: كحادثة احتجاز نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي لثلاثة أشهر وتجريده من تمثيله سياسياً لتياره.
 
هذه الممارسة تكشف عن طبيعة الهيمنة التي يفكر بها الصدر والتي يريد أن يدير بها السلطة في المستقبل، كما أن مبدأ الحفاظ على الدولة وصلاحياتها الحصرية هو مجرد غطاء للقيام بأعمال غير مشروعة تحت عنوان محاربة الفساد، وتغذية الجزيرة السياسية التي يُنمِّيها عبر حلقات من المنتفعين وخطوط الولاء الشعبي، وأخيراً بالتحالف مع الشيوعيين.
 
 
دائماً ما تجيء خطوات الصدر السياسية وكأنها قَفَزاتٌ كبيرة الى مناطق لعب جديدة خارج الكمّاشات التي يجد نفسه محاصراً بها، لكنه بالتحالف مع الشيوعيين يحاول أن يوظف التناقضات المحلية والإقليمية لصالحه، ويهز الشجرة غير المستقرة للتحالفات في العراق مترقباً تساقط الخصوم منها، ومنها يصل إلى أقصى نفعية سياسية بالقفز من "المهدي" إلى "ماركس" على طريقته بإيجاد المقاربات الهشّة.
 
فهو يُصدِّر خطابه كمعادٍ للسياسة الإيرانية بالمنطقة، ويعارض بقاء الأسد بالسلطة، ويقترب كثيراً من الرياض وأبو ظبي، ويعزز سياسة رئيس الحكومة بالانفتاح العربي، وتحوّل إلى هراوة سياسية مطيعة بيّد المرجعية التقليدية في النجف، ويدعم توجهات حلّ الفصائل المسلحة لكنه لا يحل جماعته المسلحة على نحو مطلق ويحتفظ لنفسه بحماية واحدة من أهم مراكز الشيعة في سامراء المرتبطة بـ"قضية المهدي".
 
فهو دائماً يُبقي خيطاً رفيعاً ممدوداً بينه بين قناعاته الخلاصية بوصفها المنطقة المقدسة التي يُهيّمن بها على ملايين من الفقراء التواقين إلى العدالة المفقودة وطموحاته السياسية. لكن ذاك الخيط أيضاً مصدر قلق رهيب بوصفه مُحفزاً للتنظيمات السرية التي تدعي الصلة بـ"المهدي".
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

تعليقات القراء على مقال : قفزات مقتدى الصدر في المجهول العراقي

مقتدى الصدر ليس اكثر من معمم جاهل آخر قوي في العراق بفضل المد الإيراني بعد عام 1979. لكن المشكلة الخطيرة بشأنه، ان له جمهورا يزيد عن 5 ملايين شخص. هو جاهل متخلف لا يتقن العربية، ويسميه البعض متخلف عقليا، لكنه يستطيع بسهولة أن يحرك 5 ملايين عراقي. هذا المقتدى حرك جيش المهدي بخمسين الف مقاتل، وبعده سرايا السلام بنفس العدد، وقادر أن يعبئ بإشارة من أصبعه الشارع . العيب ليس فيه اذا

بريان عبد الله25.04.2018 | 19:33 Uhr