السياسات الانتخابية وتحديات الحوكمة

لم يكن الابتعاد عن الإيديولوجيا بالأمر السهل بالنسبة إلى الإسلاميين الشيعة العراقيين، الذين كانت مسألة بلورة نظرية مفصّلة حول الحوكمة الإسلامية موضع جدل وتجاذبات كبيرة بينهم. لكن، مع الوقت باتوا مُدركين للمشاكل التي تشوب النموذج الإيراني وللتوترات التي لم تجد لها حلاً الناجمة عن تبني مصدرين للشرعية في إيران: السلطة الدينية والسيادة الشعبية. كما كان هناك أيضاً توترات لدى الإسلاميين العراقيين بين الولاء الديني للقيادة الإيرانية وبين هويتهم الوطنية العراقية. وهذا أدى إلى انقسام حزب الدعوة في المنفى؛ وهو انقسام لازال يترك بصماته وتأثيراته في الديناميكيات الداخلية الشيعية، كما يتبدى بوضوح في الانشطار الراهن داخل حزب الدعوة بين جناح المالكي، الذي بات قريباً من إيران وحلفائها، وبين جناح العبادي، الذي نسج علاقات أفضل مع الغرب.

بدأ بعض النشطاء والمُنظّرين في الحزب، في إطار محاولتهم تجاوز النموذج الإيراني وهيمنة الحرس الثوري الإيراني على الحركات الإسلامية الشيعية، بإعادة النظر في هدف إقامة دولة إسلامية.على سبيل المثال، تخلى رجل الدين الشيعي اللبناني البارز محمد مهدي شمس الدين، الذي دعم حزب الدعوة في سنواته المبكرة الأولى، عن الدعوة إلى إقامة دولة تستند إلى الشريعة الإسلامية، وبات يعتبر الديمقراطية أفضل نموذج للحوكمة. بيد أن افتقاد حزب الدعوة إلى جهود تجديد عميقة، أعاق تطوير إطار حوكمة واضحة تستند إلى مبادئه التأسيسية. وكما لاحظ مراقب للحركات الاسلامية العراقية: "أقرَ حزب الدعوة الآليات الديمقراطية لكن ليس المبررات الفلسفية للفكرة الديمقراطية التي واصل الحزب اعتبارها "علمانية" و"غربية"". وهذا ترجم نفسه في توجه العديد من الأعضاء إلى طلب الأذن من الفقهاء الدينيين قبل خوض الانتخابات أو قبول مناصب في الحكومة العراقية.2

جَهدَ قادة الحزب للعثور على صيغة يُمكنها الجمع بين معتقداتهم الإيديولوجية وبين دورهم الجديد كسياسيين في بلد منشطر طائفياً. وهو أدركوا أن التبنّي الجامد للإيديولوجيا قد يعيق جهودهم لحصد شرعية أوسع، وهو أمر كان ضرورياً لتأمين بقائهم السياسي. وهذا يوضح لماذا عمد المالكي، الذي ترأس الحكومة في الفترة بين 2006 و2014، والعبادي، الذي كان رئيس الوزراء بين 2014 و2018، إلى خوض حملاتهما الانتخابية من خلال إئتلافات شملت حلفاء غير إسلاميين، وإلى تبنّيهما لغة وطنية. لاتتمركز القضية الدينية في خطابهما السياسي.

لكن الرجلين لم يكونا مستعدين، في الوقت نفسه، وبسبب الانقسامات الطائفية وتأثيراتها على القواعد الشعبية السياسية، للتخلي تماماً عن الإسلاموية وعن التماهي الحزبي، اللذين كانا وسيلتين مهمتين للحفاظ على قواعدهما الأصلية وتحالفتهما الأساسية. وهكذا تأرجحا بين الخطابين الإسلامي والوطني، استناداً إلى الحالة القائمة في المشهد السياسي. صحيح أن هذا كشف عن نزعة براغماتية، لكنه وشى أيضاً عن مدى عمق التناقض أحياناً بين الهوية الإيديولوجية وبين المتطلبات العملية للقيادة والحكم. وحتى حين ترأس المالكي والعبادي إئتلافات متنافسة في الانتخابات البرلمانية العام 2018، لم يتخليا عن عضويتهما في حزب الدعوة.

 

 

على الرغم من كل ذلك، تموضع حزب الدعوة بشكل أفضل من باقي الجماعات الإسلامية، في مجال التأقلم مع السياسات الجديدة في العراق، لأنه لم يكن مرتبطاً بأي أسرة مُحددة من رجال الدين، كما الأمر مع المجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري، ولايتلقى توجيهاته من رجل دين واحد. نتيجة لذلك، تمتع الحزب بليونة أكثر لإعادة طرح نفسه سياسياً وجذب مختلف فئات الناخبين. لكن هذا لم يكن دوماً دليل قوة. إذ أن الحزب، وبفعل افتقاده إلى الوضوح الإيديولوجي والقاعدة الاجتماعية المُحددة، بات أكثر اعتماداً على منصب رئاسة الحكومة وعلى السلطة المنبثقة عنها. فالمالكي والعبادي طرحا نفسيهما كبناة دولة، ووسعا شبكات الموالين لهما في مؤسسات الحكم. والمالكي على وجه الخصوص برع في مَركَزَة السلطة بين يديه وشكّل مؤسسات موازية أو عيّن موالين في مناصب بارزة بالوكالة، للالتفاف على الإجراءات البرلمانية البطيئة وتعميق نفوذه الشخصي والحزبي في المؤسسات العامة. وقد نسج العبادي نسج على منواله، خصوصاً بقراره ملء عدد كبير من المناصب الشاغرة بمقربين له قبيل مغادرته منصبه بأسابيع قليلة.

بيد أن أجندة الحزب لم تكن مُتطابقة بالضرورة مع أجندة رئيس الحكومة. فالعلاقات كانت متوتّرة بين قادة الدعوة وبين المالكي حين اعتمد هذا الأخير أكثر على أتباعه الشخصيين من اعتماده على الحزب. وقد كان هذا أحد الأسباب التي دفعت قياديين بارزين في الحزب إلى التخلّي عن المالكي في خضم صراعه للبقاء كرئيس للحكومة بعد انتخابات 2014 التي حصد فيها إئتلاف دولة القانون العدد الأكبر من المقاعد. وحين شعر هؤلاء القادة بأن فرص المالكي للبقاء في المنصب محدودة، طرحوا العبادي كبديل. كان الهدف من هذا التحوّل هو مواصلة إحكام الحزب سيطرته على منصب رئاسة الوزراء، على رغم أن ذلك أماط اللثام عن فقدانه لأجندة موحدة.

عقب ذلك، بات حزب الدعوة مُنقسماً على نحو مطّرد بين جناحي المالكي والعبادي. وفي حين أن هذا الانقسام ارتدى لبوس التنافسات الشخصية، إلا أنه تأثّر أيضاَ بالتنافس الأميركي- الإيراني في العراق. فقد تلقى العبادي دعم واشنطن بعد أن بدا أنه يبتعد عن النهج السلطوي للمالكي خلال المعارك العسكرية ضد مايسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، وأيضاً بعد أن تبنّى ما اعتبره العديدون مقاربة لاطائفية وأحياناً معارضة لقوات الحشد الشعبي، وهي مظلة تضم أساساً الميليشيات المدعومة إيرانياً والتي قاتلت إلى جانب القوات العراقية. بدوره ساعد المالكي على تشكيل قوات الحشد، وتقارب مع إيران، وغدا أكثر شكّاً بالأميركيين، مُنحياً باللائمة عليهم لفشلهم في ردع تنظيم الدولة الإسلامية قبل استيلائه على الموصل والمدن السنّية الأخرى العام 2014.3

بعد الانتخابات البرلمانية العام 2018، تحالف إئتلاف دولة القانون برئاسة المالكي مع تحالف الفتح، وهو الجناح السياسي لقوات الحشد الشعبي المدعوم من ايران، فيما تحالف إئتلاف النصر بزعامة العبادي مع رجلي الدين الشيعيين مقتدى الصدر، وعمار الحكيم قائد تيار الحكمة الوطني. وحتى قبيل الانتخابات، توقف الدعوة عن العمل كحزب موحّد، وسمح لأعضائه بالاقتراع للوائح الانتخابية من دون استخدام اسم الحزب، في الوقت نفسه الذي كان يقدّم فيه وعوداً غامضة لإعادة توحيد الحزب بعد الانتخابات. مثل هذا الترتيب دلّ على أن الحزب خسر اتساقه السياسي وتزعزع بفعل السياسات الزبائنية والشخصانية المتفاقمة. كما أنه عكس عدم وجود قواعد شعبية واسعة مستقلة عن رؤساء الحكومات المنضوين تحت لواء الحزب. وبالتالي، فشل الدعوة، الذي سيطر عليه الأعضاء القدماء الذين دخلوا سن الشيخوخة والذين استقوا معظم خبراتهم السياسية في المنفى، في تجديد نفسه وتوسيع قاعدته.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.