صعود الإسلاموية الريعية

تتميّز السياسات العراقية هذه الأيام بوجود مؤسسات ديمقراطية شكلية، تغشاها السياسات الزبائنية والممارسات خارج القانون. هذه الحصيلة كانت إلى حد بعيد الابنة الشرعية للاقتصاد العراقي، حيث أدى الاعتماد على عائدات النفط إلى التسابق والتدافع على الغنائم، ما خلق ثقافة سياسية ريعية. ولذا، يمكن الحديث عن إسلاموية ريعية تحل فيها الزبائنية غالباً مكان الإيديولوجيا في تشكيل السلوك السياسي للأحزاب الإسلامية.

استخدم المالكي، خلال تسنّمه رئاسة الحكومة، أسلوب الزبائنية في إدارة الدولة والموارد. مثلاً، بث الروح مجدداً في سياسة نظام حزب البعث الخاصة بكسب ولاء شيوخ القبائل من خلال العطايا المالية، فشكّل ما بات يُعرف بـ"مجالس الإسناد" في المدن الجنوبية. وفي حين أن الهدف المُعلن من هذه التجمعات العشائرية هو ضمان الدعم المحلي للأمن، إلا أن المالكي وظّفها لتوسيع قاعدته الانتخابية. وقد خصصت موازنة العام 2015 التي وضعتها حكومة المالكي 380 مليون دينار عراقي (مايوازي 282 مليون دولار اليوم) لتمويل هذه المجالس، بما في ذلك رواتب شهرية لأعضائها. لكن المالكي رفض، في المقابل، مواصلة تمويل بعض مجالس الصحوة القَبَلية السنّية التي قاتلت تنظيم القاعدة، ما أضعف هذه المجموعات وسهّل عودة الجهاديين في المناطق السنّية.

 

 

بالمثل، طوّرت حاشية المالكي، التي تضم أعضاء من عائلته، شبكة من الشراكات مع العديد من أصحاب المصالح ورجال الأعمال، مُستغلة سلطة مؤسسة رئاسة الوزراء التي أصبحت في عهد المالكي أقوى من أي هيئة أخرى في الدولة. ويمكن قول الأمر نفسه عن منصب القائد العام للقوات المسلحة، الذي اعتبره النقاد أداة غير شرعية في يد المالكي لتأكيد سلطته الشخصية على الجيش ولتقويض مسؤوليات وزارة الدفاع. ولهذا، عمد العبادي، في سياق تنافسه مع المالكي، إلى إلغاء هذا المنصب حين أصبح رئيساً للوزراء. وفي حين عزّز المالكي الموالين شخصياً له على حساب عناصر من قيادة حزب الدعوة، تحالف العبادي مع كوادر معيّنة في الحزب، مقرباً بعضا منهم على حساب أعضاء آخرين كان قد جرى إقصاؤهم. وبعد فشل الدعوة في الاحتفاظ برئاسة الحكومة، دفع الامتعاض ثلاثة أعضاء قياديين إلى إصدار بيان اتهموا فيه العبادي بالتسبّب في انقسام الحزب.

استخدم حزب الدعوة، الذي يحظى بدعم شعبي واسع، وسائل أخرى أيضاً لبناء قواعده الشعبية، فكان من ضمن المؤسسات العامة التي وُظفت للأغراض الزبائنية مؤسسة السجناء السياسيين ومؤسسة الشهداء، اللتين كانتا بقيادة شخصيات في الحزب أو عناصر قريبة منه. وكانت الوظيفة الأساسية للمؤسستين هي التدقيق والتصديق على طلبات التعويض لأولئك الذي سجنوا في عهد البعث، أو الذي أعدم النظام أفراداً في عائلاتهم (وعدد كبير منهم كانوا مرتبطين – أو اتهموا بالارتباط – بحزب الدعوة). بيد أن دائرة المستفيدين توسّعت لتشمل حتى أفراداً فرّوا من العراق. وقد ساعد نواب الدعوة في البرلمان على إقرار قوانين تسمح بفتح باب التعويض على مصراعيه، بغية كسب المزيد من الدعم من المستفيدين.

خلق استخدام حزب الدعوة للسياسات الزبائنية شبكات أتباع ترتبط بالمصالح وليس بمشروع إيديولوجي مُتّسق. وما ميّز حزب الدعوة عن باقي الأحزاب المنخرطة في سياسات مماثلة، هو غياب أي شخصية حزبية تعمل كمرجع أعلى وملاذ أخير. فسلطة المالكي والعبادي اشتقت أساساً من موقع رئاسة الوزارة. ولهذا قد يشهد حزب الدعوة في طوره مابعد الإيديولوجي، انحساراً في أهميته السياسية أكثر من أي مجموعة أخرى على إثر خسارته لهذا المنصب.

خلاصة: لم يمت، لكنه يحتضر

في تشرين الأول/أكتوبر 2018، وبعد 13 عاماً كان فيها أحد أعضاء حزب الدعوة رئيساً للوزراء، عُيّن عادل عبد المهدي، الذي كان سابقاً في المجلس الأعلى الإسلامي، رئيساً للحكومة. واليوم، حزب الدعوة مُنشطر ولا يمتلك رؤية موحّدة حول هدفه ومراميه. الحزب لم يمت، لكنه يحتضر ويعاني سكرات الموت. معظم قادته باتوا مُسنين، والحزب عاجز تقريباً عن استقطاب جيل جديد من الناشطين. ثم أن فكرة الدولة الإسلامية لم تعد مُغرية لشيعة العراق، على الأقل كما طُرحت في حقبة الستينيات والسبعينيات. وتتركز نقاط دعم حزب الدعوة اليوم بين قطاعات الطبقة الوسطى وموظفي الدولة لمابعد العام 2003، لكنه يُواجه منافسة شديدة من أحزاب أخرى في هذه القطاعات نفسها. ومع خسارة الدعوة لمزايا المناصب الحكومية، ومع انقساماته الحادة، ستشهد قاعدة الحزب المزيد من الانكماش والانحسار.

لكن مهلا. هذا الحال يعكس في الواقع أزمة كل التنظيمات السياسية التي تشكّلت إبان مرحلة الإيديولوجيات والسرديات الكبرى. ففيما تخوض هذه التنظيمات عباب عملية سياسية تُشكّلها المتطلبات الانتخابية، ستجد من الصعوبة بمكان أقلمة إيديولوجياتها الأصلية- وطرازها- مع الحقائق السياسية الجديدة. لقد خسرت هذه الاحزاب في نهاية المطاف جاذبتها الإيديولوجية، وهي تعتمد أكثر فأكثر على الزبائنية لتبقى على قيد الحياة، ما يتطلب منها الآن البقاء في موقع المسؤولية لتقديم العطايا. ومع وجود جماعات تمثّل الاجيال الجديدة من الإسلاميين، بما في ذلك الصدريين وفصائل الحشد الشعبي، أصبحت إسلاموية حزب الدعوة إرثاً في طور الأفول وغير قادرة على تعبئة أعداد كبيرة من الأنصار، ولا على منحهم إحساساً قوياً بأنهم أصحاب رسالة.

لكن أزمة حزب الدعوة لاتنفصم عراها عن التحديات التي تواجه الجماعات الإسلامية الأخرى. فقد تقلصت جاذبية هذه الجماعات بسبب الفساد والخلل الكبير الذي يضرب نظام الحكم الراهن، والذي تتمتع فيه الأحزاب الإسلامية بموقع مُهيمن. وهذا ما أبرزته الاحتجاجات منذ العام 2015 والتي كشفت النقاب عن مدى الحنق الشعبي وخيبة الأمل المُتصاعدة من النخبة الحاكمة. هذا علاوة على أنها أوضحت أن التعبئة السياسية كانت تتحوّل من قضايا تتعلّق بالإيديولوجيا- والهوية- إلى مسائل تُشدّد على المطالب الاجتماعية- الاقتصادية. وبسبب ذلك، أصبح الإسلاميون الشيعة أكثر انقساماً، وبعضهم بدا أكثر استعداداً للجّوء إلى إجراءات قمعية لحماية سلطته وشبكات مصالحه. وعلى المدى الطويل، يمكن لمثل ردة الفعل هذه أن تُزعزع أكثر شرعية هذه الأحزاب، ما يفسح المجال أمام احتمال تطور ديناميكيات تعبئة بديلة وبرامج سياسية مُعارضة مختلفة، تستهدف حصد دعم أكبر في الشارع.

 

هوامش

1 فالح عبد الجبار، العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ترجمة أمجد حسين (بيروت: الجمل، 2010). رشيد الخيون، مائة عام الإسلام السياسي في العراق: الشيعة (الامارات: مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2011).

2 نقاش غير رسمي أجراه المؤلّف مع عضو سابق في حزب الدعوة، واشنطن العاصمة، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2015.

3 مقابلة أجراها المؤلّف مع رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، بغداد، شباط/فبراير 2017.

 

حارث حسن

حارث حسن باحث أول غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على العراق، والطائفية، وسياسات الهوية، والقوى الدينية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

حقوق النشر: كارنيفي 2019

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.