مصطافون في أخذ شواطئ دبي.

العقوبات الغربية على روسيا
هل توفر الإمارات ملاذا آمنا للأثرياء الروس؟

بتزايد عقوبات الغرب على روسيا زاد اهتمام الأغنياء الروس بدولة الإمارات التي تتمتع باستقرار سياسي وتتساهل بشأن الشفافية المالية ومصدر الثروات. تقرير كاثرين شير.

الموقع الإلكتروني لمجلة "Russian Emirates" الناطقة بالروسية والتي تتخذ من دبي مقرا لها، يتلقى كل يوم سيلا من الأسئلة عن كافة النواحي المتعلقة بالعيش في الإمارات بالنسبة للرعايا الروس بدءا من المطاعم التي تقدم الأطعمة الروسية في الإمارات إلى عيادات الأطباء الذين يتحدثون الروسية في الإمارة الخليجية.

بيد أن السؤال الأكثر شيوعا والذي حظى على أكثر من 83 ألف مشاهدة كان: "هل يمكنني الحصول على جنسية الإمارات؟" فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا وفرض العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي، تضاعف عدد قراء ومتصفحي الموقع الإلكتروني لمجلة "Russian Emirates" حيث وصل إلى 300 ألف خلال أسبوع.

ويتوقع الخبراء أن يشهد المستقبل تزايد عدد متصفحي الموقع خاصة في إطار مساعي الروس لإيجاد طرق لتجنب العقوبات والحفاظ على ثرواتهم، فيما يسعى آخرون إلى الهروب من وضع "سياسي قد يكون محفوفا بالخطر" داخل روسيا.

 

منظر من دبي - الإمارات. View of Dubai, UAE (photo: picture-alliance)
من السهل شراء العقارات في الإمارات: يمكن للمستثمرين الحصول على تأشيرة إقامة في حال امتلاك عقار. فيما خلص المحققون إلى أن الأعمال الورقية المطلوبة لشراء شقة أو تدشين مشروع تجاري تعد ضئيلة فيما يعتبر الأمر الحاسم في ذلك مقدار الأموال والنقد. يشار إلى أنه في حال استثمار 272 ألف دولار (185 ألف يورو) في الممتلكات العقارية، يمكن الحصول على تأشيرة دخول إلى الإمارات لمدة ثلاث سنوات وإذا وصل حجم الاستثمار إلى حوالي 1,36 مليون دولار (1,18 مليون يورو) فإنه يمكن الحصول على تأشيرة مدتها خمس سنوات. وعلى وقع هذا، قد يجد الروس من أبناء الطبقة المتوسطة العليا في الإمارات الملاذ الآمن لتجنب الاستيلاء على شركاتهم أو أموالهم من قبل حكومتهم أو تعرض الاقتصاد الروسي للانهيار جراء العقوبات الغربية.

 

أحد خبراء صناعة النفط والذي زار دبي الشهر الماضي (فبراير / شباط 2022)، تحدث في مقابلة مع دويتشه فيله عن وجود تغيير ملموس ومحسوس، قائلا: "هناك شعور بأن ثمة تغيير مذهل في قواعد اللعبة فيما يتعلق بتدفق رؤوس الأموال إلى دبي بسبب خروج الروس في بلادهم وبحثهم عن ملاذات مالية آمنة بعيدا عن روسيا".

وفي هذا السياق، ذكرت تقارير عن زيادة حركة الطيران الخاص من موسكو إلى دبي، حيث نقلت صحيفة أوكرانية عن مصادر استخباراتية محلية قولها إن هناك شكوكا حيال قيام رجال الأعمال الروس من أصحاب المليارات والمقربين من الكرملين ممن يطلق عليهم "الأوليغارش"، بنقل ممتلكاتهم الخاصة إلى دبي بحثا عن الأمان المالي.

ورصد محققون شاركوا في تحقيق مفتوح المصدر أن العديد من اليخوت الفاخرة ترسو في دبي نظرا لأن الإمارات لم تطبق العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. ولهذا تحظى هذه اليخوت الفاخرة الباهظة الثمن بحرية وأمان وهي ترسو هناك.

حركة متزايدة وتدفق مالي خفي!

ورغم العلاقات الأمنية القوية التي تجمع الإمارات والولايات المتحدة والتحالف الاستراتيجي بين البلدين، إلا أن الإمارات نأت بنفسها عن الانحياز إلى أي طرف في الأزمة الأوكرانية ولم تشارك في فرض عقوبات على روسيا.

وعلى إثر ذلك، أفاد مستشارو إدارة الأعمال الناطقون باللغة الروسية في دبي بتزايد رغبات الحصول على معلومات عن الإمارات من داخل روسيا.

وفي هذا السياق تقول جودي فيتوري، الباحثة في قضايا الفساد والتمويل غير المشروع بجامعة جورج تاون الأمريكية، إن هناك "قلقا متزايدا من أن تصبح دبي ملاذا آمنا لأموال الأوليغارش الروس".

وأضافت فيتوري، التي كانت ضمن فريق تابع لحلف شمال الأطلسي معني بمكافحة الفساد، أن تدفق الأموال الروسية غير المشروعة إلى دبي بدأ منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، مضيفة أنه من الصعب معرفة أي زيادة في تدفق الأموال الروسية إلى الإمارات في الوقت الحالي نظرا لأن أغلبها سيكون "غير ظاهر".

من جانبها، ترجع ميرا مارتيني، الباحثة في منظمة الشفافية الدولية، ذلك إلى أن السلطات الإماراتية لا تجمع معلومات ذات صلة بالأمر بشكل فعلي. وتضيف بأن هذا هو سبب اعتماد المحققين في قضايا الفساد في الغالب على وثائق مسربة لمعرفة أي معلومات عن أصحاب الممتلكات ورؤوس الأموال في الإمارات.

ماذا عن فاعلية القوانين؟

وتشير مارتيني إلى أنه طرأ بعض التغيير جراء التدقيق المتزايد من قبل منظمات معنية بمكافحة الفساد وغسيل الأموال مثل مجموعة العمل المالي الدولية "فاتف FATF". وتقول: بعد عام من التدقيق، وجدت الإمارات نفسها مدرجة في القائمة الرمادية الخاصة بمجموعة العمل المالي الدولية للبلدان التي تخضع لمزيد من الرقابة.

وعلى إثر ذلك، أقدمت الإمارات على تبني قواعد جديدة لضبط العمليات المحتملة للتمويل غير المشروع. ورغم ذلك، تتفق فيتوري ومارتيني على أن السلطات الإماراتية عمليا لم تفعل الكثير لتطبيق مثل هذه القواعد.

واستدلت مارتيني على ذلك بقولها لدويتشه فيله "إذا قام أي شخص الآن بتأسيس شركة في الإمارات، فإن آخر سؤال سيطرح عليه هو من يقف حقا وراء الأمر". وأضافت بأنه رغم وجود قواعد جديدة حيال معرفة ملكية الشركات، إلا أنه من السهل إخفاء الأموال والثروات في الإمارات خاصة وأن بها أكثر من 39 هيئة لتسجيل الشركات في الإمارات السبع.

وتتساءل "كيف يمكن تطبيق نظام فعال في ضوء هذا العدد؟ إنها فوضى". وتشير إلى أن الإمارات يوجد بها أكثر من 40 منطقة حرة معظمها في دبي تتيح للمستثمرين الأجانب التملك وإنشاء ونقل الشركات.

ويعد شراء العقارات في الإمارات أمرا سهلا، بل يمكن للمستثمرين الحصول على تأشيرة إقامة في حال امتلاك عقار. فيما خلص المحققون إلى أن الأعمال الورقية المطلوبة لشراء شقة أو تدشين مشروع تجاري تعد ضئيلة فيما يعتبر الأمر الحاسم في ذلك مقدار الأموال والنقد.

 

يخت فاخر في إيطاليا. Superyacht impounded in Imperia, Italy (photo: AP/picture-alliance)
قد يذهب البعض إلى استنتاج أن الإمارات تعد الدولة الوحيدة التي يمكن للأثرياء اللجوء إليها للفرار بثرواتهم من العقوبات: لكن ذلك ليس دقيقا، حيث أن هناك 23 دولة على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية لا سيما باكستان وجنوب السودان وجزر كايمان واليمن والمغرب. لكنَّ هناك أسباباً تجعل الإمارات فريدة وجذابة لرجال الأعمال الروس مقارنة بالدول الأخرى، وعلى رأس ذلك أن بعض هذه الدول انضمت إلى الجهود المبذولة لعزل روسيا اقتصاديا. لذا فإن ما يجعل دبي جذابة للغاية هي قدرتها على "الجمع بين الأموال النظيفة والقذرة"، كما يقول خبراء.

 

يشار إلى أنه في حال استثمار 272 ألف دولار (185 ألف يورو) في الممتلكات العقارية، يمكن الحصول على تأشيرة دخول إلى الإمارات لمدة ثلاث سنوات وإذا وصل حجم الاستثمار إلى حوالي 1,36 مليون دولار (1,18 مليون يورو) فإنه يمكن الحصول على تأشيرة مدتها خمس سنوات.

وعلى وقع هذا، قد يجد الروس من أبناء الطبقة المتوسطة العليا في الإمارات الملاذ الآمن لتجنب الاستيلاء على شركاتهم أو أموالهم من قبل حكومتهم أو تعرض الاقتصاد الروسي للانهيار جراء العقوبات الغربية.

وكان مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد، وهي شبكة دولية للصحافيين الاستقصائيين، قد كشف عن قاعدة بيانات تضم ممتلكات أجنبية أعلن عنها سياسيون روس بموجب القانون الروسي وكشفت عن تسجيل فقط 62 عقارا في الإمارات.

لماذا الإمارات؟

في ضوء هذه الأرقام، قد يذهب البعض إلى استنتاج أن الإمارات تعد الدولة الوحيدة حيث يمكن للأثرياء اللجوء إليها للفرار بثرواتهم من العقوبات، لكن ذلك ليس دقيقا. حيث أن هناك 23 دولة على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية لا سيما باكستان وجنوب السودان وجزر كايمان واليمن والمغرب.

لكنَّ هناك أسباباً تجعل الإمارات فريدة وجذابة لرجال الأعمال الروس مقارنة بالدول الأخرى، وعلى رأس ذلك أن بعض هذه الدول انضمت إلى الجهود المبذولة لعزل روسيا اقتصاديا. وفي هذا السياق، تقول خبيرة مكافحة الفساد جودي فيتوري لدويتشه فيله إن الإمارات "تحظى بموقع "فريد فهي ليست نقطة عبور مثل جزر كايمان، بل يمكن وصفها بأنها متجر متعدد الخدمات للتمويل غير المشروع."

وتضيف بأن الإمارات لديها أيضا الكثير من الأموال النظيفة، حيث تتواجد العديد من الشركات المتعددة الجنسيات في الإمارات وتعمل بشكل قانوني، و"لا أحد يرغب في ضخ استثمارات في مناطق تعج بالأموال القذرة، لأن الجميع يدرك مخاطر ذلك. لذا فإن ما يجعل دبي جذابة للغاية هي قدرتها على الجمع بين الأموال النظيفة والقذرة".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة