إنَّ إحراز المزيد من التقدُّم يمكن أن يعود إلى حقيقة أنَّ رفع العقوبات مرتبط بفترة ستة أشهر. فقد أدَّى ذلك إلى تحسين وصول المساعدات الإنسانية، الذي كان صعبًا للغاية حتى ذلك الحين، ورفع العقبات والقيود البيروقراطية المفروضة على السفر، وتوقُّف العمليات والهجمات العسكرية إلى حدّ بعيد. ومع ذلك لم يتم حتى الآن تحقيق أية تغييرات عميقة.

إذ إنَّ "الحوار الوطني"، الذي كان من المفترض أصلاً أن يؤدِّي إلى إصلاح سياسي بعيد المدى، لم يكن أكثر من مجرَّد مشاورات تجريها الحكومة مع جزء صغير من الطيف السياسي. وكذلك لقد تعثَّرت مفاوضات السلام مع المتمرِّدين من المناطق المتنازع عليها في دارفور وعلى الحدود مع جنوب السودان. وفضلاً عن ذلك لا يزال الكثيرون يجلسون من دون أية تهمة أو محاكمة في سجون السودان، ولا تزال تفرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام، كما يتم تفكيك التجمُّعات السياسية.

لاجئون من جبال النوبة في محافظة جنوب كردفان على الحدود السودانية مع دولة جنوب السودان. Foto: Getty Images
السودان ليس شريكًا مثاليًا على الإطلاق: "الرئيس السوداني عمر البشير مطلوب بموجب مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكابه جرائم حرب، والحكومة السودانية لا تزال تخوض حربًا في كلّ من دارفور وجبال النوبة، يضاف إلى ذلك أنَّ السودان يأتي في آخر قائمة التصنيف العالمي لحقوق الإنسان والحرِّيات السياسية"، بحسب رأي الكاتبة أنيته فيبَر.

تعاون مريب مع أنظمة سلطوية

 والآن من الأهمية بمكان ألاَّ تصبح الرؤية وتحقيق النجاحات السريعة الموضوع الرئيسي للتعامل الغربي مع السودان. في الوقت الراهن يبدو وكأنَّ الولايات المتَّحدة الأمريكية والاتِّحاد الأوروبي يتخليان عن معايير السياسة الخارجية الموجهَّة نحو القيم، ويرضيان باتِّخاذ خطوات صغيرة باتجاه الانفتاح السياسي، طالما يتم تحقيق تقدُّم واضح على المدى القصير في تراجع أرقام الهجرة إلى أوروبا وفي مكافحة الإرهاب.

 وفي هذا الصدد يخادع المرء نفسه ويأمل في أنَّ السلطوية تعني أيضًا الاستقرار، وأنَّ المكاسب تُبرِّر الخطر السياسي المتمثِّل في التعاون مع نظام قمعي. من الممكن أن تكون لهذا النهج عواقب وخيمة، وذلك لأنَّه لا يعالج الصراعات الاجتماعية أو بالأحرى أسباب النزاع وبهذا أيضًا أسباب اللجوء والتطرُّف.

 وفي الوقت نفسه إنَّ اتِّباع الغرب سياسة ملتزمة تسعى إلى تحقيق مصالحه بطريقة شاملة ومستدامة، يمكن أن يجعل تطبيع العلاقات - الذي طال انتظاره من قبل السودان - مرهونًا بمطالب محدَّدة.

وفي الوقت الراهن بالذات من الضروري أن يعمل هذا النهج السياسي بشكل أقوى على بذل جهود جادة وملتزمة من أجل السلام وربطها بتنظيم التحوُّل الديمقراطي. وكذلك يجب أن يضمن هذا النهج السياسي عدم اقتصار التسهيلات الاقتصادية على إرضاء شبكات النخبة وحدها على المدى القصير، بل أن تؤدِّي هذه التسهيلات إلى استقرار المجتمع السوداني برمَّته.

 

أنيته فيبَر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

 

الدكتورة أنيته فيبَر زميلة وباحثة أكاديمية في مؤسَّسة العلوم والسياسة في برلين. تركِّز أبحاثها على النزاعات الإقليمية والخلافات داخل الدولة في منطقة القرن الأفريقي، وعلى مسائل النظام السياسي وكذلك التغيير الاجتماعي وبناء مؤسَّسات الدولة في الدول الهشة.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.