ما المقصود إذن من التشديد رغم ذلك على النمط البروتستانتي لألمانيا حتى في صفوف غير المنتميين لهذا المذهب الديني؟

يرى بيكر بأن الحركة الإصلاحية التي قام بها لوثر قبل 500 عام "احتجاجا" (من هنا جاءت تسمية المذهب البروتستانتي) على الإكليروس الكاثوليكي تركت انعكاساتها في القرون اللاحقة لا فقط على الفهم الديني للمجتمعات في ألمانيا وعدة دول أوروبية أخرى،بل أيضا على قناعتها الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية أيضا. فقد حث لوثر ومن بعده رفيقاه السويسريان الأكثر تشددا كلفين وتسفينغلي على العناية بالتعليم والثقافة والنظافة والنظام ودعا اتباعه إلى اعتبار أداء الوظيفة بأمانة وحرص لا مجرد واجب تجاه رب العمل بل بمثابة رسالة أخلاقية تجاه الخالق نفسه.

ورغم أن الكنيسة الكاثوليكية حاربت لعقود طويلة هذه الحركة المنافسة لها إلا أنها حققت هي أيضا عملية إصلاحية نابعة مما سمي "حركة الإصلاح المضادة" التي بدأت مشبعة بروح العودة إلى الجذور لتصبح فيما بعد منفتحة أكثر وأكثر تجاه ما هو تنموي وابتكاري.

اضمحلال الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت

لهذا كان بمقدور المرء أن يعتبر الألمان من أنصار كلا المذهبين مشبعين بالأفكار الإصلاحية، التي انطلقت من الحركة الإصلاحية للوثر. كما بات من الممكن القول إن الخصال المنسوبة للبروتستانت تنطبق بصورة عامة إن جاز التعميم هنا على كافة شرائح المجتمع الألماني، حيث للألمان عامة سمعة واسعة الانتشار في كل أنحاء العالم بكونهم يلتزمون بالمواعيد وينتظمون في العمل ويحبون النظام إلى غير ذلك من الصفات التي أصبحت بحكم الأكليشيهات بغض النظر عما إذا كانت ما تزال تتسم بالصحة ودقة المعايير أم لا. على أية حال فحتى هؤلاء الذين ينفصلون عن كنيستهم (سواء البروتستانتية أو الكاثوليكية) لعدد من الأسباب فإنهم يحتفظون في أعماق أنفسهم بتلك الخصال والعادات والأعراف النابعة  أصلا من المعتقدات الدينية.

عارف حجاج كاتب وباحث ألماني فلسطيني معروف، حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية وعمل لعقود طويلة في الخارجية الألمانية. وهو مؤسس منتدى فلسطين في بون.
عارف حجاج كاتب وباحث ألماني فلسطيني معروف، حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية وعمل لعقود طويلة في الخارجية الألمانية. وهو مؤسس منتدى فلسطين في بون.

من هنا جاز التعبير بأن ألمانيا باتت علمانية شكلياً وهيكلياً لكنها ظلت مسيحية في المفاهيم الثقافية والمجتمعية والسياسية. ما معنى ذلك بالمفهوم السياسي؟ لم يفرق لوثر في سياق المسؤولية الأخلاقية بين رجال الدين والأشخاص  العاديين  كما أنه طالب الطرفين بالولاء للحاكم.

وقد اتضح على مر التاريخ بأن الألمان انطلاقاً من واجب الولاء للحاكم أكثر استعدادا من شعوب أخرى لتقبل الحاكم "القوي" طالما كان قادراً على توفير النظام والأمان والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. ربما فسر ذلك قدرة هتلر على اكتساب قلوب الألمان وعقولهم  لفترة طويلة نسبية رغم الأفكار العنصرية والشعبوية العرقية التي نشرها.

إذن فقد اضمحلت الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت لكن ثمة فرقا يظل قائما يرتبط بما يسمى بالألمانية "استيعاب طبيعة الحياة" فأغلبية الكاثوليك تميل إلى التمتع بالحياة وتعشق تقاليد الكرنفال على سبيل المثال. وحتى عند ارتكاب الخطية يمنح الكاهن الغفران بعد الاعتراف.

أما البروتستانت فإنهم يرفضون مثل هذه الطقوس تماما ايمانا منهم بالمسؤولية "الفردية" للمؤمن. فرق آخر قائم ذو طابع جمالي بحت. فالكاثوليك يعشقون زخرفة كنائسهم ويزينونها بصور قديسيهم وتماثيلهم الأمر الذي يرفضه الإنجيليون أيضا. بالتالي فقد أصبحت كنائس البروتستانت منذ عهد لوثر وكلفين ولو ظاهريا بمثابة أندية ثقافية تمارس فيها بجانب الطقوس الدينية أنماط الحوار المبنية على المساواة بين القسيس والمؤمن.

 

عارف حجاج

حقوق النشر: قنطرة 2017

عارف حجاج كاتب وباحث ألماني فلسطيني معروف، حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية وعمل لعقود طويلة في الخارجية الألمانية. وقد صدر كتابه الأخير "بلد بلا أمل. القومية العربية والإسلام السياسي ومستقبل فلسطين" في دار شونينغ للنشر.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.