رجال شرطة فرنسيون  في العاصمة باريس.
العواصم المغاربية مُشتتة حيال المطالب الفرنسية بعد مذبحة نيس

فرنسا تبتزّ جنوب المتوسط ولا تشركُه في حربها ضدّ الإرهاب والهجرة

فيما تزداد أوروبا تمسّكا بالتنسيق وإيجاد حلول مشتركة تتصدى بموجبها لمشاكل الإرهاب والتطرف والهجرة غير النظامية، تزداد العواصم المغاربية تفككا وتشرذما حيال المطالب الفرنسية والأوروبية بضرورة طرد المهاجرين. وهي مطالب أعقبت عملية نيس التي نفذها تونسي. إسماعيل دبارة يقدم قراءته لابتزاز فرنسي جديد يستغل وزر أقلية مارقة لضرب قيم التعايش والمشاركة والتعاون التي سادت لعقود.

الابتسامات الديبلوماسية العريضة التي تبادلها كل من وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان ونظيره التونسي توفيق شرف الدين يوم الجمعة 6 نوفمبر 2020، والشكر الفرنسي للجانب الأمني التونسي على المعلومات التي قدّمها إثر عملية نيس الدموية التي نفذها شاب تونسي مهاجر بشكل غير قانوني، لم تتمكّن من اخفاء استياء الطرفين من طريقة معالجة ملفات شائكة وملحّة تتعلق بالهجرة والارهاب والتنسيق الأمني والقضائي.

في زيارته إلى تونس، وعقب العملية التي هزت الرأي العام الفرنسي والدولي، ونفذها مهاجر تونسي يافع وصل للتوّ إلى الأراضي الفرنسية عبر ايطاليا، شكر وزير الداخلية الفرنسي الذي قام بجولة سريعة إلى العواصم المغاربية، الجهات الأمنية التونسية التي بادرت مباشرة إثر عملية نيس، بتقديم معلومات هامة "أخذتها باريس بعين الاعتبار وساهمت في فهم بعض المعطيات بخصوص الحادثة".

وقال الوزير الفرنسي إنّ "الإيديولوجيا التي يتبعها منفذو العمليات الإرهابية سواء في تونس أو في الدول الأوروبية لا تمت بصلة للديانة الإسلامية التي تدعو إلى التسامح، واصفا الأفكار التي يؤمن بها الإرهابيون بـ"القاتلة"، والتي يجب مناهضتها.

مطالب فرنسية

أتت زيارة دارمانان بعد أسبوع فقط من هجوم مريع في كنيسة نوتردام في مدينة نيس أودى بحياة ثلاثة مواطنين طعنا بسكين على يد متشدد تونسي، كشفت المعلومات أنه دخل فرنسا عشية الهجوم بعد أن كان وصل الى جزيرة لامبيدوزا الايطالية عبر رحلات الهجرة غير الشرعية في سبتمبر الماضي. وألقى الهجوم الذي وقع بعد أيام من هجوم آخر استهدف مدرسا فرنسيا في ضواحي باريس، بظلاله على ملف المهاجرين المشمولين بقرار الترحيل من فرنسا ومن بينهم متطرفون تونسيون.

ويبدو أنّ تونس كانت على علم بالمطالب الفرنسية وتوقعتها منذ زمن، إذ أبدت رسميا تساهلا وتجاوبا حيال مطالب الترحيل أملا في امتصاص الغضب الفرنسي بعد الجرح الغائر الذي سبّبته العملية التي كان منفذها تونسي، في توقيت تحتاج فيه تونس أكثر من أي وقت مضى للدعم الأوروبي والفرنسي تحديدا للخروج من كبوتها الاقتصادية.

وقدمت فرنسا قائمة بأسماء مواطنين تونسيين يقيمون بشكل غير قانوني في فرنسا ويُشتبه في أنهم متطرفون، وهو أمر قامت به أيضا مع كل من المغرب والجزائر.

ترى تونس أنّ عمليات ترحيل محتملة لتونسيين من فرنسا "تخضع إلى نص قانوني، والفصل 25 من الدستور يمنع أصلا رفض قبول عودة التونسي إلى بلده".

وتقول التقارير إنّ نحو ستين تونسيا هم الآن في وضعية إقامة غير قانونية في فرنسا، 20 منهم عرضة للترحيل الفوري عقب استنفادهم كل الإجراءات، لكن باريس لا تريد طردهم دون رقابة من دولتهم، وتشير تقارير أخرى رشحت بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي، إلى أن 400 تونسي مطالبون بمغادرة فرنسا.

 

أمام كنيسة نوتردام في مدينة نيس التي شهدت الهجوم الإرهابي
أثارالهجوم على كنيسة نوتردام في مدينة نيس الفرنسية، الذي أودى بحياة 3 من زوار الكنيسة استنكار واسعا. ومع توالي الإدانات المحلية والعالمية تم تسليط الضوء على المشتبه في تنفيذه الهجوم إبراهيم العيساوي. جنسية العيساوي التونسية أثارت التساؤلات عن سبب انخراط شباب من تونس في عمليات متطرفة وإرهابية كما هو الحال مع أنيس العامري الذي هاجم بشاحنة المشاة في برلين، أو حتى بالأعداد الكبيرة الأخرى لعدد المقاتلين التونسيين المنضمين لداعش وتنظيمات إرهابية أخرى.

 

معاداة المهاجرين

في تونس مزاج عام يرى أنّ القوى اليمينية المعادية للمهاجرين تستغل الأحداث الإجرامية والإرهابية، على غرار عملية نيس، لفرض التعامل الأمني مع المهاجرين والضغط على دول الجنوب، لوقف تدفّقهم، وفي الحالة التونسية، فإنّ أعداد المقيمين في فرنسا بصفة غير قانونية تقدّر بالآلاف، وما تقوم به السلطات حاليا يؤكد أنّ باريس ستسعى لاستغلال الارهاب الذي اجتاحها مؤخرا لترحيل أكثر ما يمكن من هؤلاء المخالفين.

وهذا الانطباع يسود تقريبا في كافة العواصم المغاربية التي تتفاوض باريس معها حاليا من أجل إعادة متشدديها اليها، مع ما يفرضه هذا الوضع من تحديات أمنية وقضائية جديدة.

ويستذكر التونسيون في هذه اللحظات الضغوط الأوروبية والفرنسية على بلادهم منذ سنوات لفرض اتفاقيات تُجبر تونس على أن تصبح وجهة لاستقبال للمهاجرين القادمين من افريقيا، مقابل دعم مالي يسيل اللعاب. وهي مقترحات رفضتها تونس سابقا، متعللة بأوضاع أمنية وسياسية خاصة تمرّ بها.

وفي العام 2018، رفض الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي في أعقاب مشاركته بقمة مجموعة العشرين في برلين، بشكل قاطع، فكرة إقامة مراكز إيواء دائمة لمهاجرين غير نظاميين على أراضي تونس، رغم الضغوطات الأوروبية خاصة من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

وتحدثت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في العام ذاته مع رئيس الحكومة آنذاك يوسف الشاهد لبحث إمكانية إقامة مخيمات في تونس لاستقبال المهاجرين غير النظاميين الذين يتم إنقاذهم في البحر، من أجل منع وصولهم إلى أوروبا، لكن طلبها قوبل بالرفض.

ومازال هذا الموضوع يثير قلقا لدى التونسيين، لعلمهم أن آوروبا ستواصل استدراج بلادهم لقبول المهاجرين سرا وتحمّل الأعباء المترتبة عن ايوائهم مقابل الهبات والقروض والمساعدات، وفي ذات السياق، تلقت تونس بمناسبة زيارة وزير الداخلية الفرنسي عقب عملية نيس، هبة بقيمة 10 ملايين يورو لتوفير معدات إضافية لمراقبة حدودها.

وتونس التي لم تتعاف بعدُ من هجمات أبنائها العائدين من ساحات القتال، شهدت مظاهرات في 2016 رافضة لقبول عودة تونسيين إلى البلاد بعد أن التحقوا بتنظيمات جهادية في سوريا والعراق.

وعبّرت العشرات من منظمات المجتمع المدني عن "رفض استخدام الهجمات الإرهابية الجهادية للضغط على الحكومة التونسية لقبول عمليات الإعادة الجماعية القسرية للمهاجرين وفتح مراكز اعتقال في تونس".

وترحيل المتطرفين من فرنسا يثير مخاوف وتساؤلات صلب أجهزة الأمن النافذة في تونس، تتعلّق بمدى استعداد البلاد لاستقبال هؤلاء والإجراءات التي ستتخذها في سبيل مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، كما أن القضاء بدوره يضغط من أجل مزيد توضيح الصورة وفهم آلية تعامله مع هذا النوع من الملاحقات، وذلك رغم وجود اتفاقيات دولية وقوانين فيما يتعلق بترحيل أي مواطن يملك جنسية أخرى غير الجنسية التونسية، أو ما يسمى بـ"الجنسية المزدوجة"، ويمكن أيضا للقضاء الفرنسي أن يتعهد بجرائم هؤلاء، إذا ثبت ما يدينهم من قريب أو من بعيد في قضايا الإرهاب.

إلى ذلك، عدّد "مرصد الحقوق والحريات بتونس" (غير حكومي) قضايا كثيرة لم تتعاون فيها فرنسا مع تونس فيما يتعلق بمكافحة الارهاب، كما اتهم باريس باستثمار الاحداث الارهابية سياسيا لابتزاز بلدان جنوب المتوسط.

وطالب المرصد الحكومة التونسية بـ"الكف عن القبول بدور حارس للحدود، أو مخبر صغير، يشي بالأبرياء من أبنائه أو يتاجر بمعطياتهم الشخصية"، كما طالب بـ"رفض أي عملية ترحيل قسري، لأي مواطن تونسي قبل أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة".

 

تحديات أمام ماكرون

تحاول فرنسا قيادة حملة واسعة ضد المتطرفين وترحيلهم لإبعاد أذاهم عن ترابها ومواطنيها، خاصة بعد عملية نيس، ومن القرارات التي اتخذتها حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، منع استقدام الأئمة من خارج فرنسا، وسنّ إجراءات لتقييد تحركات الإسلام السياسي الذي اعتبره الإليزيه "أصل الشر"، وتشديد المراقبة على المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية التي اعتبرها الرئيس الفرنسي بمثابة "حصان طروادة" لكونها "تبث الأفكار المتطرّفة"، ثم تفكيك بعض الجمعيات كجمعية "أحمد ياسين" وجمعية "الذئاب الرمادية" القومية التركية، وطرد المتطرفين الإسلاميين من فرنسا وترحيلهم نحو بلدانهم.

وقال ماكرون إن فرنسا "تخوض حرباً وجودية ضد العقائد الإسلامية المتطرفة والنزعة الانفصالية"، ما خلّف انطباعات كثيرة بأنّ الجو العام في فرنسا بعد حادثة نيس يتميّز بتنامي مشاعر الإسلاموفوبيا والعنصرية لدى الغالبية، خاصة مع تداول الحديث عن أنّ وجوب حماية علمانية الدولة ومدنيّتها قد حان، وأنه لا مفر من خوض هذه المعركة مهما كانت النتائج، وكان ماكرون أكثر حزما يوم 16 نوفمبر عندما قال في حوار صحافي إنّ فرنسا لن "تُغيّر" من حقّها في حرية التعبير فقط "لأنه يُثير صدمة في الخارج"، وقال أيضا إنه "مصدوم بسبب مطالبة مسؤولين سياسيين ودينيين من العالم الإسلامي بتغيير حق حرية التعبير في فرنسا".

ومازالت تصريحات ماكرون بخصوص الاسلام والمسلمين تتميز بالتناقض منذ أزمة الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد. فقد قال سابقا "إن الأخبار التي نقلت أنه يدعم الرسوم المسيئة للرسول الكريم أخبار مضللة ومقتطعة من سياقها"، مؤكدا أنه "ليس لديه أي مشكلة مع الإسلام، وإنما معركته ضد الإرهاب والتطرف".

 

 

مهاجرون أم قتلة؟

ليس كل مهاجر إلى أوروبا هو بالضرورة باحث عن القتل وسفك الدماء، لكنّ التنظيمات الجهادية المتطرّفة وجدت في "قوارب الموت" التي تنطلق إلى سواحل أوروبا الجنوبية، مطية لإرسال "قنابلها الموقوتة"، وحالة الشاب إبراهيم العيساوي منفذ جريمة نيس، خير دليل على ذلك، إذ من الصعب جدا أن يكون استقطابه لتنفيذ تلك العملية قد تم في ايطاليا أو في فرنسا نظرا لوصوله حديثا إليها، كما أنه يكن مصنفا كإرهابي في بلده.

ويبدو أنّ التطرف في طريقه إلى دق إسفين بين المهاجرين المسلمين المغاربة في أوروبا والدول التي تستضيفهم، بل إنه يبدو قاب قوسين أو أدنى من إنهاك التعايش الذي دام سنينا، وتميز بمساعدات ضخمة يقدمها هؤلاء المهاجرون لدولهم بتحويلاتهم المميزة من العملة الصعبة، قبل أن تصيبهم سهام تهم التطرف والإرهاب مع الجيل الجديد الذي يستغل قوارب الموت ولا يبدي استعدادا للاندماج في المجتمعات الغربية رغم توقه للعيش بين ظهرانيهم.

تقول أرقام "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" أنه في الفترة بين يناير ويوليو 2020 تم إحباط 491 عملية اجتياز غير نظامية للحدود التونسية. بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين الذين تم منعهم من اجتياز الحدود خلسة حوالي 6885 مهاجر، 90% منهم تونسيون و10 % من جنسيات مختلفة، وبالمقابل، تنشر وزارة الداخلية التونسية بشكل متواتر بيانات عن إحباط بعض هذه العمليات وتوقيف مهاجرين تونسيين وآخرين من جنسيات مختلفة.وفي نفس اليوم الذي نفذت فيه عملية نيس (29 أكتوبر) ضبط خفر السواحل التونسي 29 شخصا قرب العاصمة، أحدهم مطلوب للعدالة في قضايا تحمل صبغة ارهابية، وهم بصدد ترصّد فرصة للصّعود على متن إحدى البواخر الرّاسية بهدف اجتياز الحدود البحريّة خلسة.

تضامن أوروبي... تفكك مغاربي

بعد تقديم فرنسا لمطالبها للعواصم المغاربية في خضمّ حملتها على التطرّف، تثار عدة تساؤلات بدت للمتابعين غامضة وتحتاج اجابات فورية من باريس، ولعل أهمها "ما هي المعتقدات الدينية المتطرّفة وما هو تعريفها؟ "من هم الـ231 شخصا المعنيون بالترحيل ومن هم الـ400 تونسي الذين تم الحديث عنهم بعد حادثة نيس"؟ هل هم من ذوي الجنسية المزدوجة؟

كما يطرح تساؤل آخر يتعلق بأهلية دول المغرب العربي لقبول المُرحّلين، وخاصة أن فرنسا بالرغم مما لديها من إمكانيات تبدو وكأنها عاجزة عن ردعهم ومحاكمتهم وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع.

كما أن تونس والجزائر والمغرب التي لديها جاليات ضخمة في فرنسا وأوروبا، تخشى أن الاستجابة لمطالب الترحيل من فرنسا، سيجعلها عرضة للاستجابة لاحقا لمطالب ترحيل من دول أخرى قد تختار النسج على المنوال الفرنسي في التصدي للإرهاب بطرد المهاجرين.

إلا أن الثابت في كل هذا أنه فيما تنحو أوروبا نحو مزيد التنسيق في التعامل مع ملفات الهجرة غير القانونية، والارهاب والتطرّف، وحراسة الحدود، فإنّ دول المغرب العربي لا تملك نظرة ولا سلوكا ولا أداءً موحدا تجاه المطالب الأوروبية التي تنتظرها، فالأزمة الليبية والخلاف الجزائري - المغربي حول ملف الصحراء الغربية، وحالة الموت السريري التي يعيشها "اتحاد المغرب العربي" وعجز هياكله عن ادارة الملفات الشائكة، كلها أمور تدقّ نواقيس حمراء وتحضّ على ضرورة أن تجد هذه الحكومات حلولا لمشاكلها البينية من أجل التفاوض لاحقا تحت راية واحدة (مغاربية) مع الطرف الأوروبي، منعا للاستفراد بكل دولة على حده، أو فرض اتفاقيات صارمة ومؤلمة عليها نتيجة ضعفها، تمهيدا لمزيد من الابتزاز والتدخّل في الشؤون الداخلية. خاصة وأنّ الطرف الفرنسي، والاوروبي من وراءه، يبدو متمسكا بسياسة (هذه بضاعتكم "الارهابية" ردت إليكم) وهي سياسة لا تنظر إلى الاشكال القائم بين الشمال والجنوب بعمق ولا تراعي أن منطق "التفسير الوحيد" لتفشي آفة الارهاب قد ولّى.

باتت دول شمال المتوسط وجنوبه أمام ظاهرة معقدة للغاية قد تختزل داخلها أزمات العالم برمته من سياسة وثقافة ودين وصراع هوية واقتصاد وأمراض نفسية وفقر وصحة وغيرها. وهو ما يتطلب فورا التوقف عن الإيحاء بوجود وصفات حلّ جاهزة يملكها طرف دون آخر، بل إن الأمر صار يتطلب الانتقال من "العقائدية" إلى "البراغماتية" وفن التعايش والاستماع والتمعن والتفهّم، والخروج من التبسيط والتسطيح إلى الوعي بالتعقيد الهائل للمشاكل التي باتت تهدّد أسس التعايش وحرية التنقل والإقامة.

 

إسماعيل دبارة

حقوق النشر: قنطرة 2020

إسماعيل دبارة: صحافي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة