تصوير الأسد كأخف الضررين

أما بالنسبة لسوريا، فإن بشار الأسد بات يشكل "أخف الضررين". ودوماً يغيب عن التصور إمكانية إقامة تحالف ظلامي بين نظام حكومي علماني وإرهاب ذي دوافع دينية، رغم أن نشوء "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" بدعم من عناصر المخابرات الجزائرية مثال يؤكد ذلك.

كما جاء في خبر من نيجيريا على لسان راديو "صوت أمريكا"، الذي لا يمكن وصفه بالتهوين من التيار الإسلاموي، بأن جندياً نيجيرياً تعرّف على مدربيه السابقين وضباط من الجيش النيجيري بين صور لمقاتلين من جماعة بوكو حرام الإرهابية نُشرت على موقع إلكتروني تابع للجماعة.

هذا لا يعني أن الجرائم التي ارتكبتها جماعة بوكو حرام وغيرها أقل سوءاً. ولكن ما هي دقة الصورة التي يتم إيصالها لنا؟ وهل تخفي الأجزاء الناقصة في الصورة أسباباً تفسر عدم نجاعة الحرب ضد بوكو حرام؟

وبحسب توصيف المجرم كشخص مسلم أو علماني، فإن اللهجة والحالة العامة تعرف مقاييس مختلفة. فعندما يقوم إردوغان بحجب خدمة "تويتر" في تركيا، فإن الصراخ يتعالى أكثر من عندما يقوم الأسد بتعذيب أطفال. أما حجة أن تركيا أقرب إلينا وأنها تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فلا يمكنها أن تفسر الاختلاف في المزاج العام بشكل مُقْنِع.

أيضاً فيما يتعلق بإيران، والتي ليست قريبة منا، فإن الضحايا هناك يتمتعون في الغرب دوماً بثقة مسبقة، لأنهم ضحايا نظام إسلامي، حتى وإن كان مَن حُكِم عليه بالإعدام تاجر مخدرات.

Charlotte Wiedemann; Foto: Charlotte Wiedemann
عاشت الصحفية السياسية والكاتبة الألمانية شارلوته فيديمان لعدة سنوات في ماليزيا وجابت عدداً كبيراً من الدول الإسلامية في آسيا وأفريقيا. في أعمالها تتطرق إلى التغيرات المجتمعية التي طرأت مؤخراً في تونس ومصر واليمن. عام 2012 صدر كتابها بعنوان "أنتم لا تعرفون شيئاً عنا! رحلاتي عبر الإسلام غير المعروف". وصدر لها كتاب مؤخراً من دار بابيروسا للنشر.

لاسم الإخوان المسلمين مفعول "مثبِّط للتعاطف" الغربي معهم

إن انعدام التعاطف مع الضحايا يعتبر أحد أسباب التهوين الغربي المزمن للقمع العلماني، فمثلا اسم الإخوان المسلمين وحده يكفي تأثيره ليعمل عمل مُستحضَر "مثبِّط للتعاطف" معهم في الغرب.  كما أن تلك الأنظمة ما تزال، كما كانت قبل الربيع العربي، شريكاً يمكن التنبؤ به بالنسبة للغرب. وقد وزير الخارجية الأمريكي (السابق) أقام جون كيري لوقت طويل في الجزائر الذي يعتبر الشريك المفضل للولايات المتحدة في المنطقة في مجال مكافحة الإرهاب.

لكن الجديد في هذا الصدد هي النظرة إلى التيار الإسلامي كعدو تقليدي رئيسي، وهي نظرة متغلغلة في اليسار الغربي والعربي على حد سواء. هذا ما شلّ التعاطف مع الثورة السورية ويؤدي إلى قراءة خاطئة للأحداث في مصر، ويثير الاستقطاب في تونس. ربما يتعلق الأمر بنوع من الدولية الموجهة بطريقة خاطئة.

ولكن حتى مجتمعات ما بعد الثورة في مصر وتونس، هناك انقسامات بينهما أكثر من القواسم المشتركة. وهذا ينطبق على درجة التديّن بقدر ما ينطبق على مميزات اللاعبين الإسلاميين فيهما. وبأخذ كارثة الإخوان المسلمين في عين الاعتبار، تخلى حزب النهضة في تونس عن السلطة.

وفي الجزائر، قاطعت الأحزاب الإسلامية الثلاثة الأكبر في البلاد، بالإضافة إلى معارضين علمانيين، الانتخابات. وعلى المستوى العالمي، من إندونيسيا وحتى القرم، فإن الإسلام السياسي يسير – بحسب البلد – في اتجاه مختلف. لهذا فشلت كل النظريات الرائجة حول صعود أو سقوط الإسلام السياسي في نقطة ما من الزمن.

 

شارلوته فيديمان

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.