ولادة جديدة للإنسان العربي السياسي (Zoon politikon)

لا يزال الإنسان العربي على الرغم من كل ذلك نشطًا سياسياً واجتماعياً حتى اليوم. يمكن رؤية هذا النشاط السياسي، على سبيل المثال، في الشبكات الاجتماعية والمدونات والمنتديات السياسية والاجتماعية، وكذلك في التعليقات على مواضيع معينة في وسائل الإعلام المختلفة على الإنترنت. لا تزال هناك مناقشات حية حول الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

{الأزمة الاجتماعية هي التي أيقظت الوعي السياسي لدى الإنسان العربي: فقد أدرك العرب الفقراء واليائسون والعاطلون عن العمل الفجوة الهائلة بين دولهم والدول الأوروبية والغربية الأخرى، وشعروا بالمشاكل السياسية والاقتصادية وأوجه القصور بشكل أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.}

كما لا يزال للإنسان العربي السياسي صوتٌ مُؤثرٌ في الرأي العام. فوجوده مهم للغاية لأنه أساسي لتشكيل نظام سياسي جديد مستعد وقادر على الإصلاح وعلى تلبية مصالح ومطالب المواطنين. هذه الآفاق الجديدة تمهد الطريق لقيام دولة القانون التي تحفظ وتحمي حقوق جميع المواطنين.

وعلى ضوء ذلك ينبغي أخذ جانبين مهمين بعين الاعتبار: يركز الجانب الأول على أن بناء دولة القانون يتم تدريجياً وتنفيذه يكون فقط على المدى المتوسط والطويل. ويُعَد بناء الإنسان السياسي الذي يتمتع بالوعي الاجتماعي والسياسي والقادر على إطلاق الأحكام النقدية العقلانية من أهم العوامل للوصول إلى هذه الصيغة من الدولة.

أما الجانب الثاني فيقول إن تحقيق هذه الأرضية السياسية الصحيحة يمهد لإيجاد صيغة ديمقراطية معينة، حتى وإن كانت بمرحلة انتقالية ما بمقدار صغير نوعاً ما، فوجود الإنسان السياسي هو ضمانة لتطوير هذه الصيغة الديمقراطية. فجوهر الديمقراطية يكمن في قيمها الأساسية كالحرية والعدالة الاجتماعية وحفظ وضمان حقوق الإنسان. 

وعلى النقيض من ذلك، فإن الديكتاتورية هي ظاهرة مرتبطة بحالة أو ظرف معين وليس لها مستقبل بأي حال من الأحوال، ببساطة لأنها ليست في الوضع الذي يجعلها قادرة على تلبية احتياجات الإنسان المعاصر.

مبدأ الإصلاحية مقابل الاستبداد

لو كان نشوء هذا الإنسان العربي السياسي هو النتيجة الوحيدة للثورات العربية فإنه يمكن اعتبار الربيع العربي ناجحاً تماماً. كان على الحكام العرب إدراك الإشارة التي بعثت بها الاضطرابات الأخيرة بأنه لا مفر من العمل السياسي المسؤول وبأن الأمر كذلك أنه لا مفر من الإصلاحات التي تراعي مصلحة المواطنين قبل أي شيء أخر.

 

{الاستبداد والإصلاح نقيضان ولا يمكن لهما أن يلتقيا في آن ومكان معاً: الدول العربية الحالية تعتمد في سلطتها على إلغاء الإنسان العربي السياسي، إلا أن هذا هو بالضبط ما أدخلها في أزمة، وفق ما يكتب الباحث عماد العلي}

 

سيكون من الأجدر التشكيك في مقولة إن القيادات العربية مهتمة بجدية بتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية. ينبع هذا التشكيك من حقيقة أن أي نهج إصلاحي يهدد بقاء وجود أية حكومة استبدادية. وكما هو معلوم، فإن الاستبداد والإصلاح نقيضان ولا يمكن لهما أن يلتقيا في آن ومكان معاً.

من ناحية أخرى، من المُتوقع أن تحاول الأنظمة العربية ترويض الإنسان العربي السياسي الجديد. ومع ذلك، فإن سخط هذا الإنسان لن يكون أقل، فالأنظمة العربية غير قادرة على القضاء على المشاكل والتناقضات المتنامية في بلدانها، لأنها المشاكل ذاتها التي تتحمل هذه الأنظمة نفسها مسؤولية وجودها. 

 

 

عماد العلي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.