الفكر النسوي غير مقتصر على الفكر الليبرالي

هل من نسوية إسلامية؟ رحلة للبحث عن حقوق المرأة في الإسلام

مصطلح "النسوية الإسلامية" أثار الكثير من الجدل على وسائل التواصل الإجتماعي. لكن لماذا ينكر البعض وجود نسوية في الإسلام، رغم الحركات النسوية التي تقوم من داخل الأديان ليست جديدة، والفكر النسوي غير مقتصر على الفكر الليبرالي.

تثير النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي الجدل حول بعض المصطلحات غير المألوفة بين الحين والحين. آخرها كان حول "الإسلاميك فيمنست" أو النسوية الإسلامية.

وانطلق النقاش بعدما كتبت ناشطة تدعى جهاد تليمة على صفحتها في فيسبوك "لو جوزك قالك اعملي لي شاي وهو بصحته ما تعمليش، شرع ودين أنتي مش مطلوب منك في الإسلام خدمة زوجك"، وذيلت جملتها بوسم #إسلاميك_فيمنست.

انتشرت هذه الجملة بشكل واسع بين مؤيد ومعارض ومتسائل عن فكرة النسوية الإسلامية من الأساس وما تدعو إليه.

من أين أتت فكرة "النسوية الإسلامية"؟

المصطلح الذي لاقى انتشاراً واسعاً هذه الأيام بسبب بوست عن "كوباية الشاي"، بدأ ظهوره في تسعينيات القرن الماضي، إذ كانت الناشطة الإيرانية زيبا مير حسيني أول من استخدمه، حين لم يُسمح لها بالعمل في الجامعة في إيران، بعد حصولها على الدكتوراه من جامعة كامبردج، ورفض زوجها تطليقها.

قررت مير حسيني دراسة القانون، والبحث في التاريخ الإسلامي وبدأت تتردد على المحاكم للحصول على الإذن بالطلاق، وحين نجحت في تطليق نفسها، عادت إلى إنجلترا، وهناك استكملت أبحاثها في قانون الأسرة داخل التراث الإسلامي، وقررت مكافحة النظم القانونية العالقة بين النظام الديني والواقع الحديث.

 

وانطلقت حركة النسوية الإسلامية بقوة خلال مؤتمر عُقد في ماليزيا عام 2009، بمشاركة نحو 50 دولة. نتج عن هذا المؤتمر تأسيس حركة "مساواة"، التي تعرف نفسها بأنها "حركة عالمية من أجل المساواة والعدل داخل الأسرة المسلمة، تدفع حقوق الإنسان للمرأة في السياقات الإسلامية، في الحياة العامة والخاصة على حد سواء".

وتنتشر أعمال هذه الحركة في العديد من البلدان العربية وإيران ودول المغرب العربي. كما أنها تشارك مع لجنة حقوق المرأة بالأمم المتحدة في البحث عن إطار ديني لوقف بعض الممارسات التمييزية ضد المرأة، والتي تتم باسم الدين مثل ختان الإناث.

في مصر، لا تنتشر بشكل واسع فكرة النسوية الإسلامية، إذ تعمل فيها بعض الباحثات والنسويات على نطاق ضيق. تقول الدكتورة أميمة أبو بكر، أستاذة الأدب الإنجليزي، وإحدى المؤسسات لـ"النسوية الإسلامية" في مصر: "فكرة النسوية الإسلامية في مصر يمكن تعريفها بأنها مشروع فكري ومعرفي لمسلمات باحثات ومتخصصات في الدراسة الإسلامية، بهدف نقد الأبوية في التراث الإسلامي، وبناء بديل آخر أكثر مساواة، وهذا المشروع نشط على مستوى عالمي وإقليمي ومحلي".

وأوضحت أبو بكر أن النسوية الإسلامية في مصر تعمل على مستوى فردي ضمن مؤسسة تدعى "المرأة والذاكرة"، وهي ليست مؤسسة إسلامية، إنما نسوية تتعامل مع كل النسويات. وبعض هؤلاء النسويات يعملن على التاريخ الإسلامي، من بينهن أبو بكر.

وتضيف: "لسنا معروفات سوى على نطاق الباحثين. في السنوات الأخيرة وعقب ثورة 25 يناير بدأنا في تنظيم ندوات ومؤتمرات وورش عمل، ومع الوقت بدأ المصطلح يظهر على السطح."

دور الأزهر

وعن علاقة هذا المشروع الفكري بالأزهر، قالت: "هناك تعاون مع الأزهر، لأننا اشتبكنا مع أفكار مثل القوامة التي تعد أساس منظومة الزواج في الإسلام، وعملنا مع بعض الشيوخ والشخصيات الهامة في الأزهر على إصدار وثيقة توضح حقوق المرأة في الإسلام، ولكن الأزهر تراجع عن تبنيها في اللحظة الأخيرة.

صدرت الوثيقة من مكتبة الإسكندرية تحت اسم "إعلان الإسكندرية" في مارس 2014، وحملت عدداً من المنطلقات والحقوق للمرأة، أبرزها رفض تسييس قضايا المرأة أو استغلالها في الصراع السياسي بين القوى المختلفة، والتأكيد على قيم الوسطية المميزة للثقافة الإسلامية البعيدة عن التشدد والانغلاق، والإيمان بأن المساواة من المفاهيم الجوهرية في علاقة الرجل بالمرأة في الإسلام، والاتجاه إلى مشاركة النساء في المجالات العامة، وعدم اختزالها في الوظائف الجسدية والأسرية وحدها.

 

أما أبرز حقوق المرأة التي شملتها الوثيقة، فكان اعتبار المساواة والمسؤولية المشتركة مع الرجل أساساً لفهم العلاقة.

كما توضح الوثيقة مفهوم القوامة، الذي يستغله غالبية الرجال لفرض هيمنتهم على النساء، من منطلق "الالتزام المالي نحو الأسرة، وأخذ الزوج على عاتقه توفير حاجات الأسرة والزوجة المادية والمعنوية بصورة تكفل لها توفير حاجاتها وتشعرها بالطمأنينة والسكن. ولا تعني القوامة في الإسلام التصرف المطلق للرجل والهيمنة على الزوجة والأبناء".

إضافة إلى ذلك، نصت الوثيقة على حقوق المرأة السياسية والاقتصادية الموازية لحقوق الرجل.

وقالت كوثر الخولي، مديرة مركز نون لقضايا المرأة، وإحدى الباحثات اللاتي عملن على إصدار الوثيقة: "العمل على هذه الوثيقة بدأ عام 2012 عقب ثورة يناير، وبعد أن حاول البرلمان المصري، الذي سيطر عليه الإخوان، إلغاء بعض القوانين الخاصة بالمرأة، مثل قانون الخلع، والقانون الذي يجرم ختان الإناث، كان من الضروري أن نجتمع مع بعض الشخصيات الدينية سواء في الأزهر، أو غيره ونحاول إظهار حقوق المرأة في النظام الإسلامي".

كذلك ناقشت الوثيقة بعض القضايا مثل التحرش الجنسي الذي تتعرض له النساء، وبيّنت أن "موضوع زي المرأة في الإسلام أمر حسمته الشريعة وفحواه أن الاحتشام في الزي وستر العورات مطلب شرعي، لكن على الدولة أن تقوم بدورها في سن التشريعات التي تجرم كل أشكال الانتهاك الجنسي والجسدي للمرأة، بدءاً من التحرش اللفظي وصولاً إلى الاغتصاب".

وورد في الوثيقة أن "على الرجال أن يدركوا أن الله لم يخلق لهم الأرض وحدهم بل لبني الإنسان بشقيه معاً، فمن حق المرأة أن تأمن على نفسها في حلها وترحالها".

 

هل يمكن الحديث فعلاً عن "نسوية إسلامية"؟

ورغم الخفوت النسبي لفكرة النسوية الإسلامية، فإنها تواجه العديد من الانتقادات، أولها وأبرزها، يُوجه للمصطلح نفسه، إذ يطرح تساؤل عن كيفية ارتباط منهج "النسوية" التي تدعو النساء إلى التحرر من كل القيود والأعراف والأديان التي تميز ضد النساء، مع الإسلام الذي يراه المنتقدون قائماً على فكر ذكوري في كثير من أعمدته.

وترد أبو بكر على هذه الانتقاد: "هذا التعريف للنسوية سطحي ومقتصر على النسوية الليبرالية. في الواقع هناك أنواع عديدة من النسوية، مثل النسوية اليسارية، وحركة النسوية المسيحية وكذلك اليهودية. فالحركات النسوية التي تقوم من داخل الأديان ليست جديدة، والفكر النسوي غير مقتصر على الفكر الليبرالي، إنما هو فكر متعدد ومتنوع".

أما الانتقاد الآخر الذي تواجهه النسوية الإسلامية، فهو يربط بين فكرها وفكر جماعة الإخوان المسلمين. وترى أبو بكر أن هذا أيضاً فكر قاصر، لأن النسوية الإسلامية تُهاجم من الناحيتين. الناحية الأولى هي الناحية الليبرالية، التي تختزل النسوية في مفهوم وتعريف واحد، والناحية الثانية، هي ناحية المحافظين والتقليديين، ومن بينهم الإخوان ونساؤهم، لأن النسوية الإسلامية تشتبك مع بعض الأفكار، التي يرى الإخوان أنها من المسلّمات بالنسبة إليهم، مثل فكرة القوامة وتطبيقها.

 

سلمى خطاب

حقوق النشر: رصيف 22 - 2017

 

 

اقرأ أيضاً

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.