سلطة الشيوخ: هل هي أزلية؟

يرى بطاطو أن سلطة الشيخ في واديي دجلة والفرات جاءت نتيجة للانحطاط الطويل الأمد للمدن، الذي أعقب انهيار الخلافة العباسية؛ فكانت هذه الفترة للشيوخ وعشائرهم فترة غزوات مستمرة وتغير سريع. وكان الوضع حينها يؤكد على قيم الشجاعة والحزم وسرعة الحركة.

لكن مع قدوم القرن التاسع عشر أدت الأحداث إلى زعزعة مركز الشيخ والقضاء على عزلته، وتفكيك تحالفاته العسكرية وتقويض مجاله المشترك المكتفي ذاتيا. وقد شعر الشيخ بتلك التطورات من خلال الضغط المباشر والمستمر من الحكومة التركية، التي سعت إلى عثمنة عالم القبائل، الذي طبع السياسة العثمانية المركزية على حساب نفوذ الشيوخ.

فالأتراك حاولوا مراراً التغيير المستمر، مثلاً في ائتلاف المنتفق القبلي القوي، عبر التغيير المستمر لشيوخ السعدون وتأليب أحدهم على الاخر، أو عبر تحويلهم من مجرد شيوخ يتلقون المكافآت إلى ملاك طابو لأراضي قبائل المنتفق. كما تشير الوثائق العثمانية إلى قيام الحاكم العثماني في النجف بتسميم أحد أبرز شيوخ الخزعل وهو الشيخ درب وإجبار حفيده على الالتحاق بالجهاد ضد روسيا، حيث قتل هناك. كما طالت الانقسامات زبيد وإلى حد أدنى شمر والدليم.
وفي الإمارات الكردية في الشمال الشرقي من العراق، تمزقت إمارات بهدينان وسوران وبابان بين الأعوام 1837/1852 وحل محلها حكم عثماني مباشر لكنه هش، إلا أن الأراضي تم تحويلها إلى الأسر القبلية الحاكمة. على سبيل المثال تم تسجيل مساحات شاسعة من الأراضي في الطابو باسم آل بابان وآل الجاف بيك زاد وآل الطالباني.

وفي السياق ذاته، يرى بطاطو أن التأثير الأكبر على الشيخ والقبيلة من المبادرة التركية جاءت من وسائل المواصلات النهرية الجديدة، خاصة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869. وكان أول من تأثر قبائل شط العرب ودجلة القريبة من الخليج الفارسي، قبائل البصرة بشكل خاص، إذ أخذ اقتصاد الكفاف ينزاح شيئاً فشيئا الى اقتصاد السوق، وتم ربط هذه القبائل تدريجيا بالسوق العالمي وأصبحت تشعر بمغرياته وتقلباته، فالشيخ الذي لم تكن لديه سابقا الفرصة ولا الرغبة في استغلال رجال القبيلة، أخذ في وضعة الجديد كصاحب طابو أو مؤجر ينظر إليهم بطريقة جديدة على أنهم مصدر للربح.

"يرى بطاطو أن البريطانيين رفضوا فكرة التجنيد، لكن ما لا يوليه أهمية هنا هي مقولة أحد الشيوخ الذي أشار إلى أنهم يفضلون الالتحاق بابن سعود على أن يتم إلحاقهم بالتجنيد الإلزامي"

 

 

قدوم البريطانيين وعودة مكانة الشيوخ

مع دخول البريطانيين عاد الشيوخ ليلعبوا دوراً جديدا في البلاد. ويعزي بطاطو هذه العودة للسياسات البريطانية في العراق خلال فترة العشرينيات. فقد تعرضت من جانب لضغط اقتصادي متواصل من لندن، ادى الى تخفيض هائل في القوات العسكرية البريطانية. ومن جانب آخر كانت هناك رغبة واضحة لدى البريطانيين في التنازل عن السيطرة البريطانية الفاعلة في العراق. وطالما أن القوة لا يمكن الحصول عليها من إنكلترا التي تحكمها العوامل الاقتصادية، توجب الحصول عليها من العراق نفسه، وبشكل رئيسي من خلال خلق توازن مناسب للقوى السياسية الداخلية.

فبينما سمح للملك أن يكون أقوى عسكريا من أي شيخ بمفرده، لكنه ترك أضعف من أي كتلة من الشيوخ إذا ما اجتمعت كلمتهم. لذا لم يكن الملك في السنين الأولى من الملكية سوى شيخ كبير يجلس في المدينة بدلا من الريف. وحتى فترة متأخرة بحدود 1933، اشتكى الملك فيصل بمرارة في مذكرة جرى تداولها بين مجموعة من الثقات، بأن هناك أكثر من 100 ألف بندقية، بينما تملك الحكومة 15 ألفا فقط.

وقد حاول الملك التغلب على هذه المعادلة، من خلال طرح فكرة التجنيد، فالتجنيد لا يقلل فقط من تكاليف الجيش الملكي، بل إنه يقوض مركز الشيوخ، وهي خطوة جوهرية لإدماجهم في الحياة الوطنية.

وهنا يرى بطاطو أن البريطانيين رفضوا فكرة التجنيد، لكن ما لا يوليه أهمية هنا هي مقولة أحد الشيوخ الذي أشار إلى أنهم يفضلون الالتحاق بابن سعود على أن يتم إلحاقهم بالتجنيد الإلزامي، حيث لا يراهم على طول كتابه سوى أدوات بيد البريطانيين، وهو ما يمكن تفسيره لكونه بقي متأثرا برؤيته اليسارية أو الماركسية، ولعدم قدرته على رؤية دور المحلي أو الفاعل المحلي في الخلافات التي كانت تجري بين الملك والبريطانيين في العراق. فكل ما كان يقوم به الشيوخ هو أخذ أموال من البريطانيين أو من الملك، وهو ما أدى وفقا لتفسيره، إلى تحول ثقافة الشيخ من البسالة العسكرية والشجاعة والرجولة إلى امتلاك أكبر وأغنى المقاطعات، فالأرض هو كل ما يدير حياته ورؤيته. فالفكرة الوطنية لم تكن محبذة وحتى مفهومة، إذ أن هدفهم هو الدفاع عن مصالحهم.

أصبحت الجماهير الحضرية وليست القبلية هي التي تسبب سقوط الوزارة، كما حصل خلال عام 1948 وانتفاضة 1952. ولم تحصل في الريف العشائري سوى انتفاضات محلية صغيرة تكسر الهدوء السائد وغير المستقر.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.