مأساة الفلسطينيين في مخيمات الشتات في سوريا

ولعل الوجع الأكبر لفلسطين بعد الربيع العربي هو حال الفلسطينيين في مخيمات الشتات في سوريا. حيث اضطر الفلسطيني، الذى هاجر في النكبة للعودة إلى الخيام مرة أخرى ولكن هذه المرة في تركيا وعلى الحدود وربما في داخل سوريا بعيداً عن مخيمه الأول وكأن اللجوء الأول انتهى وبدأ اللجوء الاُخر.

هذا اللجوء الجديد مصحوب بالقتل والدمار والتهجير وتغير المستقبل وغموض الواقع. الفلسطيني أصبح بين كماشة النظام السوري، الذى ضمن له حقوق متساوية مع بقية السوريين في التعليم والصحة والحياة العامة وحتى المساواة في الاضطهاد والسجن وبين كماشة المجموعات الأخرى التي تقاتل النظام. وهو لم يستطع الوقوف على الحياد سواء في مخيم اليرموك- عاصمة الشتات الفلسطيني - أو في غيرها من المناطق السورية.

ومع حصار مخيم اليرموك وتجويع أهله ومحاولات المتطرفين والجيش السوري السيطرة عليه حسمت الأمر بأن الفلسطيني سيكون الضحية سواء قبل ذلك أم رفض. فعدد الشهداء الفلسطينيين في سوريا وصل إلى أكثر من 3000 حسب مجموعة العمل من أجل الفلسطينيين في سورية.

ولم يكن فقط القتل هو النتيجة السلبية الوحيدة بل هناك أيضا مغازلات بين قوى المعارضة السورية والحكومة الإسرائيلية للحصول على دعمها واعدينها بإقامة علاقات عادية معها في حال التخلص من النظام السوري وإقامة  سورية الجديدة.

في مصيدة حرب الخليج الثانية

لا شك أن الصراع السوري أوقع الفلسطينيين في "مصيدة حرب الخليج الثانية"، حيث وقفت حماس بجانب المعارضة السورية وتخلت عن النظام السوري مما أدى إلى وقف الدعم المالي أو تجميده مؤقتا للجهاز السياسي لحماس فانتقل إلى الدوحة في ظل أحاديث عن مقايضات على أمور سياسية من أجل استمرارية إقامته أو عدم الاستمرار في النشاط السياسي مما أضعف حركة حماس وأوقعها في وحل الصراعات الإقليمية والانقسامات الداخلية حيث رفض الجناح العسكري لحماس خروجها من سوريا أو إعلان وقوفها إلى جانب المعارضة السورية.

وفى ظل الربيع العربي والحال في سوريا والمواقف الانقسامية لحركة حماس وعدم قدرتها على الاستمرارية في حكم قطاع غزة، برز تحدي جديد لحركة حماس وهو مجموعات من المتشددين الذى يرغبون باستمرارية حالة الكر والفر والجهاد فتركوا غزة واتجهوا نحو سوريا للقتال إلى جانب داعش وجبهة النصرة متوعدين حماس لتخليها عن دين الله والاحتكام للأمور الدنيوية وعدم تطبيق الشريعة في أماكن سيطرتها، كما يدعون.

أما داخلياً فوقف الشعب الفلسطيني منقسماً حول الربيع العربي، فمنهم من أيد ما حدث في تلك الدول وخصوصا في مصر ومنهم من وقف رافضاً له معتقدا أن الربيع العربي جلب الفوضى والدمار للعالم العربي. الربيع العربي زاد الفلسطينيين انقساما فوق انقسامهم الداخلي بين فتح وحماس.

توظيف قضية فلسطين من أجل تحقيق مكاسب إقليمية سياسية

وفى ظل هذا الانقسام الفلسطيني وعدم قدرة الدول العربية وخصوصا مصر والسعودية على اجبار طرفي الانقسام على انهاءه وإعادة الوحدة السياسية بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، الذى تسيطر عليه حماس بالقوة منذ العام 2007، تبقى الجهود  العربية في المحافل الدولية ضعيفة جداً للضغط من أجل الحصول على الحقوق الفلسطينية. التشتت الحاصل رسمياً وشعبياُ في العالم العربي يضع الفلسطينيين في موقف العاجزين رسمياً وشعبياً عن استمرارية خوض المعارك السياسية الدولية بشكل عام وأكثر عجزاً على المستوى الشعبي وعلى الصمود في القدس ومناطق التماس بعد أن أصبحت الدول الداعمة تواجه أزمات مالية كبيرة نظرا لانخراطها في حروب ما بعد الربيع العربي.

وفى النهاية يبدو أن الربيع العربي لم يضع مركزية قضية فلسطين رسميا وشعبياً بإشغال كل شعوب الدول العربية، إما بقضاياهم الداخلية أو بقضايا اقليمية على حساب الاُخرين، بل وضع الفلسطيني في خانة المتهم الذى يجب معاقبته.

كذلك لم تجد القيادة الفلسطينية سواء في الضفة الفلسطينية أو في قطاع غزة الدعم اللازم على المستوى الرسمي العربي لخوض معارك سياسية وغير سياسية ضد منظمة الاحتلال الإسرائيلي وهو ما أضعف موقفهم وجعلهم راضين بالوضع الراهن متمنين ألا يزيد الوضع سوءا.

وفى تطور مواز أوجدت التغيرات الإقليمية والدولية، وخصصوا فيما يتعلق بإيران مناخاً جيدا للتقارب العربي وخصوصا الخليجي مع إسرائيل مما خلق تحالفات غير رسمية أو خفية في المنطقة تؤثر على الفلسطينيين وعلى قضيتهم بشكل عام، فأضحت القضية الفلسطينية ليست القضية المركزية، بل أصبحت القضية المركزية تتمثل في كيفية توظيف قضية فلسطين من أجل تحقيق مكاسب إقليمية سياسية وتنظيم تحالفات إقليمية من أجل مصالح مبنية على الطائفية والانقسامية.

 

 

عبد الهادي العجلة

حقوق النشر: موقع قنطرة 2016

ar.Qantara.de

 عبد الهادي العجلة باحث علمي فلسطيني يعمل في جامعة ميلانو الإيطالية، ومدير معهد دراسات الشرق الأوسط كندا IMESC، بالإضافة إلى عمله كمدير إقليمي مختص بدول الخليج في معهد "أنواع الديمقراطية" في جامعة غوتنبرغ السويدية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.