القليعة قرية مخبأة بين جبال الجزائر - دروب الصمت

نموذج للتلاحم العربي الأمازيغي عبر التاريخ

تقرير استطلاعي ووصف أدبي لقرية من قرى شمال إفريقيا للكاتب الجزائري إبراهيم مشارة -المنتمي إلى هذا المكان الجغرافي- يقدمها لموقع قنطرة، كنموذج للتلاحم العربي الأمازيغي عبر التاريخ.

حين كنت في الطريق إلى قرية "القليعة" (تصغير كلمة القلعة) التابعة إقليميا إلى ولاية برج بوعريريج بالجزائر وتاريخيا إلى بلدتي العريقة زمورة كنت أستحضر حين المرور بمقبرة القرية قصيدة بول فاليري المقبرة البحرية:

 

موصدة قدسية، غاصة بنار لا مادية

قطعة الأرض الموهوبة للضياء

يعجبني هذا المكان المرصود بالمشاعل

والمكون من الذهب والصخر والأشجار الدامسة

والذي فيه الكثير من المرمر يرجف فوق الكثير من الظلال

وهناك يغفو البحر الوفي فوق قبوري.

 

ولم يكن أمام هذه المقبرة بحر ولكن تحتها وادٍ سحيق تتناثر عليه أشجار الزيتون والتين والسنديان والبلوط، هنا ينام موتى قرية القليعة في سلام ويمر الأحياء عليهم مستحضرين حياتهم في هذا المكان الحصين، تمتد من الوادي السحيق تلة تقع عليها القرية وتحيط بها الجبال إحاطة الهالة بالقمر، تعصمها من كل أذية ومن خطر الغزو.

 

إذا رمم البيت يجب مراعاة البناء القديم في القليعة قرية مخبأة بين جبال الجزائر. نموذج للتلاحم العربي الأمازيغي عبر التاريخ
معمار هندسي يراعي الآداب وخصوصيات الأهالي: نمط المعيشة والعادات وظروف المناخ والخصوصيات الدينية والاجتماعية فرضت نمطا خاصا في البناء يستجيب لتلك المتطلبات، في قرية القليعة، وإذا رمم البيت يجب مراعاة البناء القديم.

 

قرية أسطورية لا مثيل لها في شمال إفريقيا

مكان خبأته الطبيعة واكتشفه الإنسان لإنشاء قرية أسطورية لا مثيل لها في كامل المغرب العربي أو شمال إفريقيا يكاد يستحيل أن تجد بلدة بهذه العراقة التاريخية، والهندسة الأصيلة مازالت محافظة على طابعها المعماري العريق وتقاوم في عناد وبسالة مكر الزمن وعوادي الأيام.

هي مهجورة لأن أهلها بحكم تطور الحياة ومصاعب العيش في هذه القرية نزحوا إلى المدن ولكنهم لم يسلموا في بيوتهم فكل واحد يحتفظ" بالمفتاح" رمز العودة ولو في نهاية الأسبوع ولسان حاله يقول كما قال ابن الرومي:

 

وحبب أوطان الرجال إليهمــــو: مآرب قضاها الشباب هنالكــــــــــــا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمــــــو:  عهود الصبا فيها فحنوا لذلكــــــــــا

 

ويحتفظ بالبيت وبتفاصيله التاريخية ويمنع على أي واحد مهما أوتي من غنى أن يهدم البيت ويبني بيتا حديثا، عليه فقط أن يرمم محتفظا بالطابع المعماري والتاريخي للبيت العتيق.

هذا وعي إنساني وحضاري حقيق بالاحترام، في زمن استهوى الناس الجديد حتى ولو كان مخالفا لظروف البيئة وخصائص المكان.

بلدة تفتح قلبها لكل زائر بحفاوة تمنحه لحظات من السكينة، الوقار، ترسله عابدا متبتلا في دروبها تشيعه النوافذ المحدقة كعيون متيمة والحيطان  الباسطة حفاوتها العريقة لكل زائر ومتيم والدروب التي تصعد أو تنزل في هذه التلة المفتوحة للسماء كقبضة اليد في كبرياء وعنفوان. لم تقوَ الأيام على سحق هذه اليد المحفوفة بأشجار الزيتون والسنديان والبلوط والصمود معا.

طائر الفينيق الأمازيغي العربي

الطريق المتعرج المرتفع إلى قرية "القليعة " هو طريق متعرج إلى سراديب الذاكرة ينفحه عطر الذكرى وطراوة الحنين وخصوصيات المكان، هذه القرية الساكنة بين قلل الجبال كعش لطائر أسطوري هو الفينيق الأمازيغي العربي يتأهب للطيران إذا ما داهمه خطر ، خوفا من عاديات الأيام ونوائب الحدثان وويلات الاستعمار الأجنبي لم يجد غير هذا المكان الجامع بين الوحدة والفرادة.

القليعة قرية مخبأة بين جبال الجزائر. نموذج للتلاحم العربي الأمازيغي عبر التاريخ.
القليعة قرية مخبأة بين جبال الجزائر: تمتد من الوادي السحيق تلة تقع عليها القرية وتحيط بها الجبال إحاطة الهالة بالقمر، تعصمها من كل أذية ومن خطر الغزو.

نسك خاص وتوحد فريد لم تقوَ حضارة العصر على محو هذه الخصوصية وطمس هذا الألق المعطر بتاريخ المكان وخصوصيات الزمان، هنا على الحدود مع القبائل الصغرى وإلى الشمال من مدينة برج بوعريريج التي تبعد عن العاصمة الجزائرية بـ 220 كلم تقع هذه القرية الأعجوبة أو الأسطورة التي تفتح لك قلبها المعطر بالحنين، الحنين إلى البشر الذي سكنوا هنا على مر القرون واحتوت جثامينهم المقبرة الموجودة على حافة القرية.

تحدق فيك المنازل بقرميدها العربي وحيطانها المصنوعة من الحجر والطين ونوافذها المتيمة بالشمس والضوء والهواء وأفنيتها التي احتضنت مرح الصغار وهمة الكبار من نساء ورجال القرية، وهي تعرف أنك غريب مثلما هي غريبة عن القرن الحادي والعشرين وعمرانه وحضارته وكلاكما ينطق بلسان امرئ القيس الشاعر الضليل:

 

أجارتا إنا هاهنا غريبان: وكل غريب للغريب نسيب

 

بنوافذها العربية المتخمة حنينا ووحشة إلى ساكنيها إلى ظباها وفتيانها، إلى مرح أطفالها عربد الشوق في أفنية بيوتها وسكن الصمت الرهيب في دروبها:

 

مطفأة هي النوافذ الكثار،

وباب جدي موصد وبيته انتظار،

وأطرق الباب فمن يجيب، يفتح؟

 

تجيبني الطفولة، الشباب منذ صار، تجيبني الجرار جف ماؤها فليس تنضح، "بويب"، غير أنها تذرذر الغبار.

الجامع مدرسة محت الأمية فتحدث عنها الرحالة الأوروبيون

تسيُّرك الدروب إلى الجامع المنتصب كجندي يأخذ عدته من مصاحف القرآن وتلاوة طلابه فالجامع هو زاوية لتحفيظ القرآن اليوم بنظام داخلي على الرغم من أن القرية مهجورة بالكامل ، حين كانت القرية عامرة كان تعليم القرآن فريضة على كل صبي وصبية، فلم يكن بالقرية من لا يعرف القراءة حتى في زمن الاستعمار.

وكم تحدث الرحالة الأوروبيون الذين مروا بالجزائر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عن استحالة وجود صبي أمي بسبب انتساب الجميع إلى الكتاتيب، لكن الاستعمار دمر كل شيء وأرجع الشعب عبدا وحرمه من القراءة ليجعله مجرد خادم عنده بأبخس الأثمان.

ترسلك الدروب إلى العين العمومية، ماء ثجاج يتدفق من عبق القرون وكر الأيام بلا كلل أو شح، وقد كانت القواعد الاجتماعية تمنح النساء الصباح للغسيل فلم يكن للرجال فرصة التواجد في الصباح وبعد صلاة العصر يمنح الرجال الفترة المسائية، ولا أحد يستطيع انتهاك هذا القانون المقدس.

قانون "الجماعة" لفض الخصام

صورة الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة في قرية القليعة.
إرث إنساني: "هذه القرية حقها أن تكون إرثا إنسانيا، فمن العسير أن تجد قرية مازالت قائمة ببنائها القديم مهجورة كليا من قبل سكانها الذين نزحوا إلى المدن وإلى الخارج بحثا عن العمل وظروف أفضل للمعيشة. لكن قرية "القليعة" تظل شاهدة على بشر عاشوا وعمروا هذا المكان قرونا عديدة"، إبراهيم مشارة. في الصورة الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة في قرية القليعة.

كل الناس تجمعهم رابطة عائلية ومصاهرات فهم يعرفون بعضهم بعضا، ولا أحد إن شاخ أو هرم يلاقي العزلة فالتعاون والتكافل صفة لازمة والخدمة العمومية كذلك ضرورة فكل حرفي يقدم في الأسبوع خدمة مجانية للقرية والقانون السائد هو قانون "الجماعة" لفض خصام، أو ميراث أو خلاف زوجي أو عقاب لأحد ارتكب مخالفة.

هنا الدولة هي شيوخ القرية وللإمام تعظيم وحرمة وبهذه الأعراف والقوانين السارية والتكافل الاجتماعي استطاع الناس أن يحيوا حياتهم متغلبين على جبروت الطبيعة والعزلة ووحشة المكان.

قرية تغسل النفس من أكدار المدنية وشوائب القلق

كثيرا ما كنت أتردد على القليعة نشداناً للراحة والسكينة وتنسم عطر الذكرى وأريج التاريخ أغسل نفسي من أكدار المدنية وشوائب القلق الوجودي، أتمثل بشعر السياب وأنا أسير في دروب القرية الخالية من سكانها مستمعا إلى همس الحيطان ووشوشة النوافذ الصغيرة  وإلى الدروب وهي تستعيد خفق النعال:

 

أأشتهيك ياحجارة الجدار، يا بلاط، يا حديد، يا طلاء؟

أأشتهي التقاءكن مثلما انتهى إلي فيه؟

أم الصبا صباي والطفولة اللعوب والهناء؟

وهل بكيت أن تضعضع البناء

وأقفر الفناء أم بكيت ساكنيه؟

أم أنني رأيت في خرابك الفناء

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة