ود وتآلف بين العراقة العربية والأصالة الأمازيغية

هذه القرية هي امتداد تاريخي وحضاري  لبلدتي زمورة العريقة التي ولدت بها عام 1967 هذه القرية العربية التي تفتح قلبها للعراقة العربية والأصالة الأمازيغية -مع أن كل القاطنين بها قديما عرب- في ود وتآلف ويحتفظ بنيانها بخصوصيات المكان وتقاليد الأسرة العربية وعراقة المكان الأمازيغي وتفاصيل حياته اليومية.

 

القليعة قرية مخبأة بين جبال الجزائر. نموذج للتلاحم العربي الأمازيغي عبر التاريخ.
الجامع مدرسة محت الأمية فتحدث عنها الرحالة الأوروبيون: تسيُّرك الدروب إلى الجامع المنتصب كجندي يأخذ عدته من مصاحف القرآن وتلاوة طلابه فالجامع هو زاوية لتحفيظ القرآن اليوم بنظام داخلي على الرغم من أن القرية مهجورة بالكامل ، حين كانت القرية عامرة كان تعليم القرآن فريضة على كل صبي وصبية، فلم يكن بالقرية من لا يعرف القراءة حتى في زمن الاستعمار. وكم تحدث الرحالة الأوروبيون الذين مروا بالجزائر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عن استحالة وجود صبي أمي بسبب انتساب الجميع إلى الكتاتيب، لكن الاستعمار دمر كل شيء وأرجع الشعب عبدا وحرمه من القراءة ليجعله مجرد خادم عنده بأبخس الأثمان، كما يكتب إبراهيم مشارة.

 

فالشكل الهرمي للقرية حيث تتناثر البيوت بنوافذها التي تطل على الأفنية مرتبة في نظام ليكون المسجد في أعلى نقطة وهو ما يتيح سماع الأذان أو أي نداء في زمن سحيق لم تكن هناك كهرباء ولا مكبر صوت، ولا تتلاصق البيوت بل تترك مسافة بين بيت وآخر وذلك ما يسمى "ذراع الماء" حتى يتم تصريف مياه الأسقف، فلا تأتي على البيت في زمن الشتاء والمطر والسقيف الذي يستقبلك أول ما تلج إلى البيت.

تتقابل دَكَّتان "صدارتان" للجلوس في زمن الحر والسدة التي تصمم كغرفة لحفظ الطعام خاصة الثمار.

معمار هندسي يراعي الآداب وخصوصيات الأهالي - وصومعة ناسك

أي أنها قرية مصممة بناء على خصائص المكان وثقافته ودينه وحاجات الناس وهذه هي الحضارة القائمة على ابتكار وسائل الإنتاج وأدوات العيش دون الاعتماد على الغير. فالتصميم الهندسي لكل بيت يتيح له الاحتفاظ بالآداب المرعية -من حيث عدم اطلاع المارة على أهل البيت وهم يمارسون أعمالهم المنزلية- فالفناء أو المراح ينحرف بزاوية مما يسمح لأهل البيت بالاحتفاظ بخصوصياتهم.

ظلت هذه القرية مقاومة على مر الزمن لكل عدوان أبية للضيم عصية على الخسف، من الصعب الذي يقارب المستحيل أن تجد في الجزائر قرية محتفظة بكل عراقتها التاريخية بهذا البناء الحجري والقرميد العربي والدروب المتشابكة كما تتشابك العلائق وتتآلف القلوب.

القليعة - قرية مخبأة بين جبال الجزائر
بيت شاهد على بشر عاشوا هنا في قرية القليعة الجبلية الجزائرية

حقول الزيتون المتناثرة على التلال وأشجار الصنوبر والسنديان تملأ هذه التلال إلى الوادي أسفل القرية.

هنا عاش الإنسان تجربة الحياة منعزلا في هذا المكان بعيدا عن سطوة المستعمر وهرج الحياة.

يقولون إن ناسكاً فر من ضوضاء المدنية وقرر أن يعبد الله وحيدا فعاش في مغارة هناك مازالت إلى اليوم تستقبل الزوار بتاريخها وسكونها وسرها الكبير، واتخذ أعلى نقطة في المكان وبنى صومعة -وقد عثر أهل القرية على مخطوطة تعود إلى القرن الخامس الهجري- هي اليوم مكان الجامع الباذخ الذي غدا معلما من معالم القرية وافتتح في التسعينيات.

ملاذ للفارين من فتن الملوك والثورات وظلم الأجنبي

ثم تتابع الناس زرافات ووحدانا على القرية واستوطنوها طلبا للأمن وفرارا من فتن ملوك المغرب وثورات البربر وظلم الأجنبي.

فالعثمانيون كانوا جباة الضرائب أثقلوا كاهل الشعب بالمكوس والإتاوات لتلبية حاجات جيشهم الانكشاري وبذخ سلاطينهم في الآستانة ثم الاستعمار الفرنسي الذي لاقى منه الجزائريون كافة أشكال القمع والإرهاب والاستنزاف.

السكون، الدروب الصامتة، المتعرجة، الصاعدة، النازلة، النوافذ المترقبة لطارق، لزائر أتعبته الطرق الحديثة والخراسانيات المسلحة وكافة أشكال الطنين الصناعي، لقلب سكنه الحنين لعين تنتظر حبيبا أو تشيعا زائر، تودع صديقا:

 

مطفأة هي الشموس فيه والنجوم

الحقب الثلاث منذ خفقت للحياة

في بيت جدي ازدحمن فيه – كالغيوم

تختصر البحار في خدودهن والمياه

بلدة زمورة - الجزائر.
ود وتآلف: يكتب إبراهيم مشارة عن بلدته زمورة أن قرية القليعة "امتداد تاريخي وحضاري لبلدتي زمورة العريقة التي ولدت بها عام 1967 هذه القرية العربية التي تفتح قلبها للعراقة العربية والأصالة الأمازيغية -مع أن كل القاطنين بها قديما عرب- في ود وتآلف ويحتفظ بنيانها بخصوصيات المكان وتقاليد الأسرة العربية وعراقة المكان الأمازيغي وتفاصيل حياته اليومية". مضيفاً: "بلدتي زمورة أصل كل القرى التاريخية في المنطقة"

قرية لا يحتاج فيها الناس إلى العالم لأنها عالمهم

حين كان الناس يعيشون هنا لم يكونوا يحتاجون إلى العالم فقد كانت القرية هي عالمهم لا يشعر الواحد هنا بالغربة فلا غريب ولا فقير ولا وحيد، هندسة المكان حيث تنفتح البيوت على بعضها تجعل القرية جسدا واحدا وقلبا واحدا يضخ الفرح والسكينة في كل روح.

حين كانت الشمس تنزلق في الأفق الغربي وترسل أشعتها المتثائبة على القرميد والمنكسرة غنجا ودلالا على سفوح القرية كنا نستعد لتوديع القرية.

ومثل البداية كانت المقبرة فرصة أخرى لتأمل الأجداث وتوديع ساكنيها والتفكير في  معضلة الوجود وأنشوطة الحياة وسر الموت ومعنى الحياة، وعن هؤلاء الموتى الذين لا نعرفهم بأسمائهم ولكننا عرفناهم بنمط حياتهم المتسم بالبساطة والتعاون والصمود، وظل فاليري يهمس في أذني:

 

الموتى، المستترون في هذه الأرض، بخير

إنها تهبهم الدفء وتجفف سرهم

الظهر الذي هناك إلى أعلى، الظهر الذي لا يتحرك

في ذاته يتفكر ومع ذاته يتوافق…

يا رأسا كاملا ويا إكليلا تاما

أنا فيك التغير الخبيء.

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة