هذا هو عالم الشطارة والعالم الهامشي وهامش الحياة والمنطقة المدانة سياسيا وأخلاقيا وحتى دينيا. وبقدر ما أدينت تلك الحياة وهمش أصحابها شعت وتوهجت على يدي شكري  في رائعته "الخبز الحافي" والعتبة الأولى للرواية -وهي العنوان- تحيل على الخصاصة والإملاق فالخبز حافيا صار صعبا في زمن لا يرحم حيث لا حماية إلا الإقطاع أو الشطارة.

طنجة التي تبكي على من لم يرها كما يتردد دائما في المأثورات الأدبية والسياحية، طنجة شكري المدينة المفتوحة على البحر المتوسط والمواجهة للأندلس تاريخيا وشبه الجزيرة الأيبيرية حضاريا وجغرافيا، مدينة بول بولز وتينسي وليامز وجان جينيه وغيرهم.

 

قبر محمد شكري في مقبرة مرشان، بمدينة طنجة - المغرب.
لعنة "الخبز الحافي" تطارد محمد شكري حتى في قبره (في الصورة قبر محمد شكري في مقبرة مرشان، بمدينة طنجة - المغرب): حتى بعد سنوات كثيرة على رحيل الكاتب المغربي محمد شكري يرافقه جدل تصل أصداؤه إلى أسرته، بسبب تباين الآراء إزاء أعماله وأسلوبه في تناول قضايا تعد من المحرمات في المجتمع المغربي.وسيرته الذاتية في "الخبز الحافي" ما تزال حية ويعود الحديث في المغرب عن محمد شكري صاحب رواية "الخبز الحافي"، التي أثارت ضجة في الأوساط الثقافية المغربية بعد نشرها بالعربية عام 1982. "كان هناك إجماع على منعها في المغرب وفي عدد من الدول العربية، مباشرة بعد نشرها باللغة العربية، وهذا ما أعطى قيمة كبيرة للسيرة الذاتية الروائية"، كما يقول صديق محمد شكري الإعلامي عبد اللطيف بن يحيى في حديثه لدويتشه فيله.

 

طنجة العربية والأوروبية الفاتنة بأزقتها وحاراتها المتثائبة آخر الليل، والتي تستر جسدها بغلالة رقيقة من دواوين الشعر وتشيعها إلى مرقدها بسمات الصبايا وقهقهات السكارى ورائحة التبغ والكحول ولوحات غير مكتملة لرسامين في ورشاتهم أو وتريات تعانق الروح وتغازل الجسارة الملتهبة في عمق كل سامر والحرية التي تبسط بساطها الأحمر لكل عاشق أو متمرد أو ثائر أو عبقري أو مبدع أو منحرف.

رائحة الليل، رائحة الجو المتخمة برطوبة البحر والمشبعة برائحة اليود والشمس الدافئة التي تغزل بها ماتيس في لوحة خالدة بالرغم من الروح الكولونيالية الكامنة في اللوحة، وما يقال عن حياة بعض الكتاب الغربيين بها ونظرتهم الاستعلائية ورغبتهم في أن تبقى طنجة فراديس للمتعة والبهجة والأنس والدعة والكسل.

والنسوة الملتفات في عباءاتهن أو ملاحفهن وجلبة الباعة ورواد المتعة وطلاب المغامرة وعشاق الحرف.

حري بطنجة إذاً أن تبكي على من لم يرها. لقد غدت ملهمة الشعراء والكتاب والفلاسفة والفنانين وغدا كل شارع ومقهى وملهى وحانة تحكي قصة أديب غربي أو شرقي عاش ردحا من الزمن فيها.

مخطوطة "الخبز الحافي"

صورة الغلاف العربي لكتاب الخبز الحافي - الصورة: بواسطة دار الساقي للطباعة والنشر - 1 وFair use وhttps://ar.wikipedia.org/w/index.php?curid=1137948
في الصورة الغلاف العربي لكتاب الخبز الحافي: من السهل إدانة هذا النوع من البوح لكن بالتأكيد لن ينفع بذلك لا الأخلاق ولا الحياة ولا الأدب في شيء. وقد كان محمد شكري يتوجس في نفسه خيفة من صراحتها ومن آثارها على سمعة العائلة خاصة أخواته البنات وما قد يجره الاعتراف من أذى إلى سمعة العائلة، ولكن تحمس النقاد لها وانتشار الرواية انتشار النار في الهشيم مكن لشكري مكان رائدة في الأدب المغربي وشهرة عربية يحسد عليها بالرغم من الصدمة التي أحدثتها واعتراض الكثيرين على صراحتها الخادشة للآداب العامة، كما يكتب إبراهيم مشارة.

ومن حسن حظ شكري أن يطلع على مخطوطة "الخبز الحافي" ويتحمس لها ويقدر قيمتها الفنية صديقه الكاتب الأمريكي المقيم بطنجة بول بولز ويساعد على نشرها في ألمانيا  عام 1982 بعد عشر سنوات من كتابتها ووضعها في الدرج.

وقد كان شكري يتوجس في نفسه خيفة من صراحتها ومن آثارها على سمعة العائلة خاصة أخواته البنات وما قد يجره الاعتراف من أذى إلى سمعة العائلة، ولكن تحمس النقاد لها وانتشار الرواية انتشار النار في الهشيم مكن لشكري مكان رائدة في الأدب المغربي وشهرة عربية يحسد عليها بالرغم من الصدمة التي أحدثتها واعتراض الكثيرين على صراحتها الخادشة للآداب العامة.

وقام الطاهر بن جلون بترجمة الرواية إلى الفرنسية فعرف بشكري في الغرب حيث لاقت اهتماما كبيرا . ومع هذه المكانة لشكري و التقدير العربي والاحتفاء من النقاد والقراء ظلت ممنوعة من التداول تُتداوَل سرا وتُهرَّب كما تهرب الممنوعات، لكن الإبداع مصيره الذيوع والقوة الإنسانية والفنية الموجودة فيها تتغلب على كل رقيب.

يشكل الجزء الثاني "زمن الأخطاء" تتمة لهذا البوح ولهذا السرد العفوي الأخاذ المتخلص من كل تقنية والمنفلت من كل إكراهات تقنية، هذا السرد الغض غضاضة الحياة وطرواة اللحظة المشبع بكل رائحة.

وإذا كانت الخبز الحافي تحيل على الجحيم فإن زمن الأخطاء تحيل على المطهر، ففي هذا الجزء يستكمل شكري سرد مسيرة حياته أو ملحمة حياته حيث يصر على التعلم وهو في سن المراهقة مع أطفال صغار حتى صار مبعثا لضحكهم مع الاستمرار في الكدح من أجل القوت وممارسة الشقاوة التي بدأها صغيرا وصار فتوة حقيقة - أليس الوشم علامتها؟

حين عانق شكري الحرف لم يعانق مجرد الأبجدية ومحاولة فك شفرة القراءة لرسائل بسيطة أو كتابة اسمه لكن توغل في عالم الأدب غربيه وشرقيه، كلاسيكيه وحديثه وتعدى ذلك إلى تعلم الإسبانية للاطلاع على الثقافة الغربية عبر إحدى لغاتها الحية.

الصراع، التنازع في نفس شكري بين نوازعه البشرية ومثله العليا، بين شرطه الحياتي وأحلامه الوردية، بين الأمل والإحباط، بين الحياة كممارسة بكل جاذبيتها وعنفوانها وصراعها الطبقي الرهيب وممارسة على الورق عبر الكتابة ورد الاعتبار للمسحوقين وللتاريخ الشفوي المضاد - تلك الحيلة التي أتقنها شكري فخلد سيرته في رائعة إنسانية وفنية حقيقة بالخلود وكسا وحل الحياة ببريق الإبداع.

 

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

هذه المقالة تتناول كاتبا إشكاليا هو محمد شكري الذي عرى بسيرته الذاتية في الخبز الحافي نفسه بقدر ما عرى نفس الإنسان العربي المسحوق بظروفه التاريخية والسياسية والاجتماعية. فن السيرة الذاتية فن عريق في الأدب العربي لكن جرأة شكري وتناوله المنطقة الممنوعة بل واقتحامها بكل جرأة وشجاعة وصراحة - ذاك مايعطيها مصداقيتها وقيمتها الفنية والتاريخية والاجتماعية. الألفاظ النابية التي تصفع القارئ صفعا صارت حقلا دلاليا للعالم المهمش، العالم السفلي، عالم الصفيح، عالم الليل، عالم الفقراء والكادحين. كما تعود قيمتها كذلك إلى التنويه بالأدب الشفوي المضاد المتمرد على السلطة وعلى الأدب الكلاسيكي الباذخ أدب الصروح العاجية والبلاط. لهذا استحقت  سيرة شكري الذاتية كل هذا الاحتفاء في الشرق والغرب، كما يكتب إبراهيم مشارة.

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة