التحرر من التابوهات 

- ورد في حديثك أننا لم نعد نرى مفكرين وأنه لدينا اليوم قاصون لا غير، هل حقا تظنين بأن المفكرين الحقيقيين لم يعد لهم وجود؟

إليف شافاق: لم ينقرض المفكرون، طبعا لا. كل ما في الأمر أن هناك تحولا من "الحركات الاجتماعية القائمة على الإيديولوجية" إلى "الانقسام السياسي القائم على القصة". ويحتمل أن يكون هذا إما سيئا أو جيدا، فهو يعمل في كلا الاتجاهين. في الخمسينيات والستينييات والسبعينيات من القرن الماضي كان هنالك اهتمام أكبر بالإيديولوجيات، الشيء الذي لم يعد الآن موجودا. ولسوء الحظ، حتى القصص أضحت تُستخدم لأغراض سيئة كذلك. فقد صارت تستخدم من قبل المتطرفين بهدف حشد الناس، يجب أن نقاوم مثل هذا التوجه وأن نتذكر أنه في قلب فن القص يسكن التعاطف.

- قلت سابقا أن الكتّاب يخجلون من الانخراط في السياسة، ألا تظنين أنه وفي خضم ما يحصل الآن، خصوصا في الشرق الأوسط، لم يعد بإمكانهم أن ينأوا بأنفسهم عن السياسة؟

إليف شافاق: إذا كنت كاتبا باكستانيا، أو مصريا، أو تركيا، أو نيجيريا... فأنت تنتمي إلى ديمقراطيات غير مستقرة، لذا للأسف لن تحصل على شرف أن تكون لا سياسيا. فأنا لا يمكنني ألا أشارك في السياسة، إذا كنت أهتم بما يقع حولي في العالم. ثم إنني أنتمي إلى حركة نسائية، ومن ضمن أحسن الأشياء التي أنتجتها هذه الحركات النسائية، هي أنها أبانت أن السياسة ليست محصورة فقط في البرلمانات والأحزاب السياسية. فالسياسة موجودة في منازلنا، ومدارسنا، وشوارعنا. إذن، لو كنا ننظر إلى السياسة من هذا المنظور، كيف يمكن للكاتب ألا يكون سياسيا. هناك بعد سياسي قوي في رواياتي، فأنا أتناول المحرمات السياسية، والمحرمات الجنسية، لكن هذا لا يعني أبدا أن السياسة هي من تقودني أثناء الكتابة، بل ما يلهمني ويرشدني يبقى دائما هو فن القص، وهنا فارق بسيط لكنه مهم.

-تحدثت عن بروز القومية في بريطانيا وفي مناطق أوروبية أخرى، ما الذي يجعلك مهتمة بذلك؟

 

إليف شافاق: إن التطرف الذي ينبع من مكان مُعين يولّد التطرف في أي مكان آخر. وأنا شخصيا أتبنى موقفا نقديا تجاه القومية المتطرفة والتعصب الديني اللذين يرتكزان على الكراهية والتعصب. وذلك بالضبط هو التعصب اليميني المتطرف.

علينا أن ننظر إلى علاقاتنا مع بعضنا البعض، فكما قال الصوفيون منذ فترة طويلة، كبشر، نحن جميعا مترابطون. والأشخاص مثل دونالد ترامب يخلقون المزيد من الأشخاص المناهضين لأميركا في الشرق الأوسط، والإسلاميون الأصوليون في الشرق الأوسط خلقوا مزيدا من الخوف من الإسلام في الغرب. وبالتالي نحن ندور في دائرة مفرغة. نحن بحاجة إلى كسر هذه الحلقة المفرغة من الكراهية والعداء والازدواجية. وبحاجة أيضا للعثور على روايات قائمة على التعددية والرحمة، والإنسانية الخلاقة.

- في رصيدك الروائي أكثر من 13 كتابا إلى الآن. كيف تضمنين عدم تكرار نفسك؟

إليف شافاق: كتبت لحد الآن 14 كتابا، تسعة منها روايات. لكل واحد من هذه الكتب طابع مختلف عن الآخر، وفي هذا يجد ناشرو كتبي تحدّيا كبيرا، لأنه عندما يحقق أحد الكتب نجاحا كبيرا فإنهم يتوقعون أن يستمر الكاتب في الكتابة على نفس المنوال، إلا أنني لا أفعل هذا. فبالنسبة لي كل كتاب يعد سَفرا جديدا وعالما جديدا، بحيث إنني أدعو القارئ في هذه الرحلة. الكتب لا تغيّر فقط قراءها، بل كتّابها أيضاً.

- تتكلمين لغات عدة، بأي واحدة منها تفكرين وتحلمين، في أغلب الأحيان؟

إليف شافاق: هناك فقط ثلاث لغات ترافقني لحد الساعة: التركية، والإنجليزية، والإسبانية. إنني أكتب الرواية بالإنجليزية، وتترجم كتبي بعد ذلك للتركية، ثم أعيد كتابة النسخة التركية. لذلك فإنني أكتب كل كتاب مرتين. قد يبدو في هذا نوع من الجنون، لكن دافعي لفعل ذلك هو حبي للغات، كما أنني كنت ولا زلت أعتقد أننا إن استطعنا أن نحلم بأكثر من لغة فإننا قد نستطيع أن نكتب قصصا وروايات وشعرا بأكثر من لغة واحدة.

- ما هو نوع التعديلات التي تحافظين عليها عند كتابتك لرواية ما؟ خصوصا إذا أخذنا بالاعتبار الطبيعة المتغيرة لعادات القراءة؟

إليف شافاق: أحاول أن أتتبع العالم وأن أبث بعض الأفكار في الأشياء التي تهمّ الإنسانية. لقد كان المهندس العظيم سنان يقول: "إن العمل مثل الصلاة عندما نحب". وأنا أدرك ما يعني ذلك، فالكتابة عندي بمثابة نوع من الصلاة. طبعا ليس بالمعنى الديني للكلمة. فالصلاة نوع من الصلة بشيء آخر فوق ما تتصور، وأكبر من نفسك. لذلك فإن الكتابة صلاة دنيوية بالنسبة لي. أنا نشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا على "تويتر"، فأنا أغرد باللغة الإنجليزية واللغة التركية، وأشارك في العديد من الاحتفاليات، وأومن بقوة القص الشفهي.

- هل تغير أسلوب كتابتك مع الوقت؟ أعني في ما يتعلق بالمواضيع، وبطريقة كتابة القصة، وباللغة؟

إليف شافاق: إن كل الكتب التي كتبتها تختلف عن بعضها، بالرغم من أن المواضيع والاهتمامات تبقى كامنة لا تتغير. وقد يستطيع القارئ المتبصر كشف هذه الخيوط أكثر مني. نعم، لقد تغيرت كتبي من ناحية الأسلوب والموضوع، فأنا أتغير، ولا أحب التكرار، أو الهمود، أو الكسل. فالتغيير طبيعة فينا، وسفرنا لا نهاية له.

-في رأيك، هل ستتمكن الرواية من العيش لقرن آخر أو قرنين؟ أي هل تعتقدين أن الناشر سوف يفقد اهتمامه بالرواية؟

إليف شافاق: أظن أنه كلما ازداد العالم الذي نعيش فيه سرعة وغموضاً، فإن حاجتنا لـ "فضاء داخلي" سوف تكبر. إن الروايات تخاطب هذا الفضاء الداخلي الموجود لدى كل فرد منا. وبالتالي، فالمفارقة هي أننا كلما زدنا في سرعتنا الوجودية قلّ صبرنا، وازدادت حاجتنا إلى قصص عميقة، وفضاءات داخلية. أعلم أن العديدين يتكلمون عن موت الرواية، وهذا يحدث منذ القرن التاسع عشر. لكن، صدّقيني، فإن الرواية سوف تعيش لوقت أطول بكثير فهي تملأ حاجة وجودية في عالم سريع ومتغير.

- كيف تنظرين إلى مستقبل صناعة النشر في العصر الرقمي؟ وهل انتهى عصر النموذج القائم (الكتاب الورقي) أم أنه فقدَ قليلا من بريقه فقط؟

إليف شافاق: إنني، وعلى عكس الكثيرين من أصدقائي الكتّاب، لست مرعوبة من التكنولوجيا الرقمية. فالشكل سيتغير، كما سبق وتغير على مر التاريخ. لكن ما لا يتغير هو حاجتنا للقصص، فهذه حاجة وجودية. كما أن فن القص قديم وكوني. وهذا سيبقى معنا. ما يخيفني أكثر ويقلقني هو العزوف الكبير عن قراءة الرواية في العالم الإسلامي، خصوصا عند بعض الرجال. بالنسبة لي، كل من يقول إنه ليس لديه وقت للروايات، فهو يعبّر بالأساس عن عدم اهتمامه بالشعور بالآخر والتعاطف معه، وحتى عدم اهتمامه بالجنس البشري. وهذه غرابة خطيرة. قراءة الروايات تثمر عقولنا، وقلوبنا، وذكائنا.

 

أجرت الحوار: علياء تركي الربيعو

حقوق النشر: العربي الجديد 2016

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.