"العودة إلى نظرية الكذب كأداة لمقاومة القمع والقهر والديكتاتورية عبر القرون ليس كافيا وحده"

في المجتمعات العربية هناك احتياج لهذا الود المصطنع الذي يعد بمثابة الرباط المقدس بين الناس بعضهم بعض، هذا الرباط الهش والثمين الذي يعبر عنه المثل المصري: "لقيني ولا تغديني". بمعنى قم بدعوتي أمام الناس ولا يهم إذا كنت سوف تقدم لي بالفعل الغذاء. وهي الدعوة الجوفاء التي نستمع إليه يوميا ونحن نسير في أي قرية عربية عندما نمر برجل جالس أمام منزله فيقول بأعلى صوته: تفضل. تفضل. يكررها أكثر من مرة. هو بالتأكيد لا يقصد أن يقوم بدعوتنا، ونحن نعرف أنه ليس علينا إلا أن نرد: المرة القادمة إن شاء الله. فتفضلوا هذه ليست أكثر من: "عزومة مراكبية". وهي دعوة اثنين من المراكبية عندما يتقاطع القاربان في النهر. فليس من الممكن أن يقذف أيهما بنفسه في النهر لكي يستجيب لدعوة الآخر. شفرة اجتماعية يدعوها البعض "اللطف والكياسة" التي يتميز بها العربي، ويدعوها البعض الآخر "أكاذيب" نطلقها وليس في نيتنا الفعل.  

 

 

يدخل الشاب عقده الثالث ويدرك أن الكذب مهارة أساسية للترقي الاجتماعي مثله مثل النفاق. فحالة التباهي بين الناس بالقدرة على الكذب جلية واضحة. فمن يكذب بصورة أفضل يمكنه أن يحقق مزيدا من النجاح. انتشر فيديو في مصر عن طالب لحظة خروجه من لجنة الامتحان. سألته المذيعة إذا كان الامتحان صعب. فأجاب بصراحة أنه لا يعرف لأنه لم يذاكر وإنما جاء للجنة ليغش من زملائه. ثم قام بدعوة الطلاب ألا يبذلوا مجهودا في المذاكرة، وأن يكتفوا بالغش. أما عن المراقبين فمن السهل إخافتهم ليتركوا الممتحنين في حالهم. الغش كما الكذب يدوران داخل دائرة الخوف.

دائرة الخوف:

الحكومة تخاف من الناس فتكذب عليهم، والناس يخافون من الحكومة فيكذبون، والحكومة تخاف من الصحافة، والصحافة تخاف الحكومة. دائرة من الخوف تخلق دوائر من الكذب تكبر كل يوم. حكى لي موظف حكومي كبير أنه في مقابلة مع الوزير قال له أنه سوف يعلن بشفافية نتائج كل مرحلة في جائزة ما. فارتجف الوزير ورفض بقوة قائلا إن هذا الإعلان سوف يفتح أبواب النار عليهم، وأنه من الأفضل أن تعلن الجائزة فقط عن الفائز كما اعتاد الجميع فعله. يخاف الوزير من مواجهة الحقائق، ويلتزم الموظف بأوامر الوزير لأنه يخافه. وفي هذه الدائرة لا أحد يثق في الآخر.

ثمن الثقة

أحد أكبر الخسائر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يتكبدها الوطن هي أزمة الثقة بين الناس بعضها وبعض، وبين الحكومة والشعب. فبالنسبة للحكومة بكافة مؤسساتها من مصلحة الضرائب إلى وزارة الداخلية مرورا بالتأمينات الاجتماعية وصولا إلى هيئة النقل العام فالمواطن كاذب. أما بالنسبة للشعب فالحكومة غير جديرة بالثقة ومسئولوها لصوص وكافة السياسات المتبعة هي خطوات محسوبة لمزيد من الإذلال الاقتصادي للشعب.

حكى لي صاحب شركة أنه كتب وبصدق كامل كل عملية مالية جرت في شركته لمدة العام الأول للشركة. ثم حضر المحاسب القانوني واطلع على الحسابات وقال لصاحب الشركة أن عليه أن يشتري دفتر ايصالات لكي يعيد كتابة كل العمليات الحسابية، أو على الأحرى أن يعيد تأليف سردية مالية بديلة. فلم يفهم صاحب الشركة السبب وراء هذه الأكاذيب وطلب من المحاسب أن يكون صريحا صراحة تامة مع مصلحة الضرائب. فرد المحاسب القانوني: على أية حال لن يصدق الموظف حرفا مما سوف نقدمه.

لا يمكن أن نقيم جسورا بيننا دون بناء جسور الثقة. ماذا لو منح الجميع الثقة في الآخر؟ ما هو ثمن الثقة؟

يمكن أن نخسر في البداية، يمكن أن يزيد الكذب في السنوات الأولى، ولكن لا شك عندي أن معدل الأكاذيب والخسائر سوف ينكسر بعد سنوات قليلة. فلا أمل لدينا لتحقيق أي تقدم سوى أن نصدق الآخر.  

 

خالد الخميسي

حقوق النشر: قنطرة 2020

خالد الخميسي روائي مصري، وكاتب، ومحاضر، وناشط ثقافي. تمحورت أعماله الروائية: "تاكسي"، و"سفينة نوح"، و"الشمندر" حول المجتمع المصري وتشريحه في نصف القرن الماضي. ترجمت أعماله الروائية إلى العديد من اللغات. نشر في عام 2014 كتابه الأول خارج فن الرواية: "2011 نقطة ومن أول السطر". تعرض مقالات الخميسي في مصر والخارج مزيجًا من خلفيته كمحلل سياسي وكاتب روائي.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة