"لا يمكن تحميل اللاجئ المسؤولية الكاملة أو شبه الكاملة عن نجاحه أو عدم نجاحه في الاندماج"

إن السكوت عن الدور الكبير لمثل هذه الظروف الموضوعية، في مسألة الاندماج، يحدث غالبًا نتيجةً لتواطؤٍ، ضمنيٍّ أو صريحٍ، بين طرفين اثنين. فمن ناحية بعض المتحدثين باسم المجتمع المستضيف أو ممثليه، يبدو مناسبًا أحيانًا تحميل اللاجئ المسؤولية الكاملة أو شبه الكاملة عن نجاحه أو عدم نجاحه في الاندماج.

فهذا التحميل يفترض غالبًا أنَّ الشروط الموضوعية الضرورية لنجاح اندماج اللاجئين متوفرةٌ دائمًا، بشكل كاملٍ أو كافٍ، وأن الاختلاف بين اللاجئين في خصوص هذا النجاح يتعلق بذواتهم فقط، أي بإرادتهم ووعيهم وقدراتهم ومواهبهم ...إلخ.

ومن ناحية "اللاجئين المميزين"، يبدو مغريًا جدًّا المغالاة في دور العوامل الذاتية في النجاح، والتقليل من أهمية العوامل الموضوعية التي لا تتعلق بإرادة اللاجئ وقدراته؛ ففي هذه المغالاة وذاك التقليل ما يسمح بالحديث عن فرادة هذا اللاجئ الناجح وتميزه الإيجابي الكبير. وتقودنا هذه الناحية المتعلقة ڊ"اللاجئين المتميزين" إلى الجانب السلبي الثاني من الأسلوب السائد في سرد قصص نجاح اندماج بعض اللاجئين في ألمانيا.

يتجسد هذا الجانب الثاني في سرد بعض اللاجئين لقصص نجاحهم، بطريقةٍ توازي أو تطابق بين هذا النجاح وفشل لاجئين آخرين. فإضافةً إلى ردِّ بعض اللاجئين الناجحين نجاحهم إلى جهودهم الشخصية، والتقليل من أهمية الظروف الخاصة في هذا النجاح؛ يتمُّ، في الوقت نفسه، تحميل اللاجئين الآخرين، بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ، المسؤولية الكاملة أو شبه الكاملة عن فشلهم و/ أو عدم تحقيقهم لنجاحات كبيرة أو مهمة.

 

 

وعلى هذا الأساس، يصبح نجاح لاجئٍ ما دليلًا على فشل بقية اللاجئين، الذين لم يحققوا نجاحًا مماثلًا. ولا يبدي اللاجئون الناجحون، في كثيرٍ من الأحيان، التفهم المطلوب لخصوصية وضع كثيرٍ من اللاجئين وفرادة ظروفهم واستثنائيتها، بل يستسهلون لومهم وتقريعهم وانتقادهم.

وتتخذ هذه الانتقادات أحيانًا شكل التعيير والاستهزاء المُهِينين. وقد يبدو مفارقًا القول إن إفراط كثيرٍ من اللاجئين الناجحين في توجيه الانتقادات إلى اللاجئين غير الناجحين (كثيرًا) ينتج غالبًا عن أحد أمرين متناقضين: إما عن شعورٍ بالتعاطف مع اللاجئين، وبالألم من عدم نجاح اندماج بعضهم، وبالرغبة في تحفيزهم وتشجيعهم ودفعهم إلى بذل جهودٍ أكبر لتحقيق النجاح المنشود، أو عن مشاعر سلبية ونظرة دونية نحو هؤلاء اللاجئين "الفاشلين".

انطلاقًا من ذلك ومن غيره، أرى ضرورة الانتباه إلى طريقة تقديم قصص نجاح اللاجئين وإلى مضامين هذه القصص. لأن النشر التقليدي أو الشائع لهذه القصص قد يفضي إلى عكس النتائج المتوخاة منه.

وفي كل الأحوال، لا ينبغي تصوير اللجوء أو الاندماج في المجتمعات الجديدة على أنه أشبه بالامتحان، حيث يندمج أو ينجح اللاجئ أو يُهان. فالاندماج حقٌّ أكثر من كونه واجبًا. ولهذا ينبغي للحديث في مواضيع اللجوء والاندماج أن يبتعد عن لغة القسر والتهديد والترهيب، وأن يتم بلغة الحوار والحقوق والترغيب، قدر المستطاع.

وقد يكون مفيدًا وضروريًّا الإشارة في النهاية إلى أن التخيير المتمثل في القول "انجح في امتحان اللجوء أو ستُهان" ليس أسوا ما يمكن للاجئ أن يواجهه؛ إذ يمكن أن يتبين للاجئ أنه سيُهان بغض النظر عن نتيجته في هذا الامتحان. وهذا ما فهمه كثيرٌ من اللاجئين وغير اللاجئين، على سبيل المثال، من حملة الإعلانات التي قامت بها وزارة الداخلية الألمانية، لتشجيع برنامج العودة الطوعية للاجئين.

فهذه الإعلانات كانت موجَّهة "شكليًّا" إلى كل اللاجئين بدون أي استثناءٍ، وبغض النظر عن كونهم "مندمجين" أو "غير مندمجين". وتقوم هذه الحملة على القول إن مستقبلك هو في وطنك؛ ولا يحيل الوطن هنا على ألمانيا مطلقًا، بل يحيل على البلد الذي هرب منه اللاجئ.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : في "امتحان اللجوء" يندمج اللاجئ أو يُهان

الاصلاح السياسي اليوم من الشائع طرحه في جميع البلدان، وخصوصا العربيه منها،اصبح تغريده يغني بها
البعض ،وهذا من الكذب السياسي ،على الشعوب الجائعه،
ولكي تطول ايامهم في حتف ابناء جلدتهم ، مما ادى الى
ترهلات في العمليه السياسيه،وجعل قائليها من المنافقين،
(اقصد النفاق السياسي )حمقى عاشو على حساب دماء
ابنائهم ولم يكرمو ذلك الدماء ، وقد جعلو شعوبهم تعيش
غربه في وطن ، اسمه فقط وطن لايجد ابسط حقوقه ،لكي يكون إنسانا ،كريم يهنئ في العيش في بلاده وينعم في حقوقه ويحس بوطنيته ،اين كانو المصلحين، في السنين الغابره، واين كانو حينما يحترق أجساد الاطفال بنيران مرؤسيهم ، واين كانو حينما تسبى النساء وتقتل
الشيوخ والكهول ،الا يكفي صمتهم ؟
ويترنح اليوم بصنيعته الجديده ،الاصلاح السياسي.

ابو مصطفى المياحي 10.02.2019 | 21:39 Uhr

اللاجئون الذين يتلقون تدريبا مهنيا في ألمانيا محظوظون. عليهم العمل بجد ومثابرة.

محمد عليان13.02.2019 | 14:12 Uhr