المؤرّخ الجزائري محمد أركون حول كتابه "تاريخ الإسلام والمسلمون في فرنسا"

محمد أركون: الوعي التاريخي مفقود في ثقافتنا العربية المعاصرة

لا شك في أن الكتاب الصادر حديثاً لدى دار "ألبان ميشال" الباريسية تحت عنوان "تاريخ الإسلام والمسلمون في فرنسا"، سيُشكّل، ولفترة طويلة، مرجعاً فريداً في ميدانه. فإلى جنب مساهمة أكثر من سبعين أخصائياً في تحريره، يعبر هذا البحث الذي يقع في نحو 1200 صفحة، ثلاثة عشر قرناً من التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي الصاخب بين ضفتي المتوسط، مفجّراً في طريقه أساطير كثيرة وخطيرة حول"الآخر"لا تزال فاعلة في مخيلة العرب والأوروبيين، ومؤمّناً بالتالي قراءاتٍ نقدية جديدة لأهم الأحداث التي عرفتها منطقة حوض المتوسط. أنطوان جوكي حاورت المؤرّخ الجزائري الكبير محمد أركون حول كتابه طبعاً وأبرز أفكاره الجريئة وانجازاته العلمية.

تدافع منذ فترة طويلة عن العلمنة كقيمة لعالمنا العربي، وتنتقد بشدة، في هذا السياق، حال المجتمع العربي بسبب مقاومته للتاريخ وتناقضاته الناتجة عن ذلك، ولكن أيضاً تاريخ العلمنة الذي لم يكن ناصع البياض أبداً...

محمد أركون: العلمنة ثقافة تم تشييدها في فرنسا على مدى قرون من التفكير والعمل على الذات. المجتمعات تتطور من خلال العمل على ذاتها. وفي هذا المجتمع بالذات الفرنسي، حصل لقاءٌ بين الكنيسة الكاثوليكية والإدارة الرومانية التي كانت إدارة قوية لأن الشرع الروماني هو أول شرع طبّق في شكلٍ منهجي فكرة الدولة كجمهورية. وكلمة Respublica اللاتينية تعني حرفياً الشأن العام، أي أن الدولة مسؤولة أولاً عن الشأن العام، الأمر الذي يختلف كلياً عن الدولة السلالية التي ينتقل فيها الحكم بواسطة رابط الدم أو النسب، وبالتالي يُشكّل هذا الموضوع شاغِلها الأول بدلاً من الشأن العام. بجب الانطلاق من هنا ومتابعة تطوّر الأشياء. ففي أوروبا، احتل الشرع الروماني موقعاً مركزياً، وعلى أساسه تشكّلت معظم دول هذه القارة، وبخاصة الدولة الفرنسية. فمنذ الحكم الملكي، كان الهاجس المتنامي في تدعيم سلطة الدولة الفرنسية عبر توسيع نفوذها على مجتمعٍ كان لا يزال مقسّماً إلى مقاطعات.

وقد تم تشييد هذا الحكم كمركز سياسي يهتم بشأن هذه المقاطعات. زد على ذلك أن الشرع الروماني منذ البداية كان علمانياً لا يرتكز على أي تعليم ديني، بل على التأمّل الفلسفي في الديموقراطية الموروث من اليونانيين. إذاً، تمنحنا ثقافة الديموقراطية في"جمهورية"أفلاطون والبنية القانونية الرومانية، الأداتين الأساسيتين لتشييد دولةٍ تسير في اتجاه شرع مستقل عن أي مرجع ديني. وستستخدم الكنسية الشرعين: الشرع الروماني كي تتكوّن كمؤسسة دولية وسياسية، وآخر من اللاهوت لتكوين العقيدة المسيحية. لكن الشرعان يتنافران كمصدر لسلطة الدولة والحكم.

إذاً، عرف المجتمع الفرنسي منذ بداياته ذلك التوتر بين الشريعة الإلهية الذي كانت تقود الملك في بداية عهده إلى كاتدرائية مدينة رانس لتنصيبه ونيل شرعيته، والشرع الروماني التي سيؤول في العصر الحديث إلى الشرع الحديث، أي إلى سلطةٍ منبثقة عن الشعب. وقد تتطلّب ذلك سيراً طويلاً. ولهذا، حين نتكلم في عالمنا العربي على العلمنة، نقع مباشرةً في المجادلة والخطاب الأيديولوجي، مهملين في شكلٍ كلي تاريخاً ضرورياً كي نعرف اليوم لماذا جميع المجتمعات العربية تسير بعكس التيار.

وأبرز دليلٍ على ظلاميّتنا ترجمة كلمة"بعلماني غير الدقيقة والمُضلّة. إذاً، حتى اللغة تخوننا! الخُطاب العربي والخُطاب الإسلامي المعاصران هما خطابان مناقضان للتاريخ ويقعان خارج المعطيات التاريخية في كل مستويات ممارستهما. الابتعاد عن التاريخ هو رفض للعمود الفقري الذي هو ماضينا. الوعي التاريخي مفقودٌ في ثقافتنا المعاصرة. كان موجوداً في مرحلة لم تعد تهمنا، ومقدمة ابن خلدون أفضل مثال على ذلك. لكن هذا المفكر توفي عام 1406، ومنذ تلك الفترة لم يسمع به أحد حتى منتصف القرن التاسع عشر. أشير هنا إلى عملية البتر الذاتي في مجتمعاتنا. فهذه الأخيرة لم تقم بأي عملٍ على ذاتها باستثناء مرحلة تشكيل الفكر الإسلامي، أي خلال القرون الخمسة الأولى.

العلمنة نتاج عصر"الأنوار"في أوروبا. لكن هذه"الأنوار"لم تبلغ الفكر العربي إلا في شكلٍ عابر وعارِض خلال"النهضة"العربية. وبعد عام 1940، توقف كل شيء. ولن يلبث طه حسين وبقية المثقفين"المنوّرين"، مثل أحمد أمين والمازني وعلي عبدالرازق...، أن يتحوّلوا في نظر العرب إلى صهاينة وملحدين وخونة، بينما هم في الحقيقة الذين جهدوا في إدخال بعض"الأنوار"إلى الفكر العربي والبحث التاريخي. لكن عزلتهم داخل محيطهم لم تمكّنهم من التأثير في الرأي العام العربي الذي كان خاضعاً للخطاب الإسلامي.

وتجدر الإشارة، في النهاية، إلى أن قيمة العلمنة تكمن في استيعابها ديناميكية"الأنوار"الأساسية والحية التي تقوم على فكرٍ يطرح ذاته دائماً موضع بحث. فأمام المشاكل التي طرحتها عليها ممارسات إسلامية أصولية ورجعية، بدأت العلمنة بسرعة مراجعة الإستراتيجية التي كانت تعتمدها في السابق لدمج طائفة غريبة من الناس داخل فضاء المواطنة الحديثة. لكن قُصر نظر الخطاب الأيديولوجي العربي والخطاب الأصولي هو الذي أدى إلى كل هذا الصخب حول الحِجاب وإلى اتهام العلمنة والفرنسيين بعدم احترام الحرية الدينية حين يتعلق الأمر بالإسلام، بينما الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. فمنذ 11 أيلول سبتمبر 2001، انطلق الفرنسيون في عملية إعادة نظر شاملة بالعلمنة لتوسيعها في اتجاه ثقافاتٍ أخرى ولمنح هذه الثقافات موقعها داخل إطار الجمهورية المُحرِّر. كل هذا لا نراه، نحن العرب، لأن عقيدة الحرب تفترسنا.

تربط غياب التقليد العلماني داخل الثقافة العربية بعلاقة هذه الأخيرة بالعقل والعلم والمقدَّس التي تميّزها عن الثقافة الغربية، بدلاً من شرح هذا الغياب بمعيار التطوّر أو التأخر...

- غياب العلمنة هو معطى بنيوي داخل الفكر العربي والإسلامي، لكنه ليس ميزة خاصة بمسار مجتمعاتنا. كل المجتمعات طوّرت البُعد المقدّس وشيّدت حقائقها عليه. المشكلة هي في درجة انغماس مجتمعاتنا فيه وفي السيرورات الاجتماعية التي ترتكز على تقديس ما هو غير مقدَّس، وأقصد بذلك جميع الطقوس التي طوّرتها مجتمعاتنا الحديثة وتناولت السلوك اليومي الأكثر دنيوية. وما يمكّننا من التمييز بين ما هو مقدَّسٌ في جوهره وما هو دنيوي، هو علم الانتروبولوجيا. لكن هذا العلم غائباً، حتى في الغرب، وفي شكلٍ خاص في الفكر العربي. وحين يغيب هذا العلم، يكتسح المقدَّس كل جوانب حياة المؤمن ويخلق تزويراً travestissement للخطاب الدنيوي ولأي سلوكٍ عادي ولأي بحثٍ عن معنى آخر داخل المجتمع. الكنيسة لم تسر نحو الحداثة إرادياً بل أجبرتها العلوم الاجتماعية على ذلك.

هل ان العبور إلى العلمنة يؤدي حتماً إلى إلغاء علم اللاهوت لمصلحة علم الانتروبولوجيا؟

- أبداً. العلمنة هي انفتاحٌ أوسع من أفكار عصر"الأنوار"خلال القرن الثامن عشر حول هذا الموضوع. ولكن على رغم اندفاع معظم المجتمعات البشرية في هذا الاتجاه الذي يقود إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من إنسانيتنا، ينشغل العرب بالتعبيرات الطقوسية المختلقة لديانتهم. من المحزن أن نرى شعوبنا العربية تسجّل نسبة نمو ديموغرافي مخيف بلا أي تثقيفٍ حقيقي يبيّن لها خطر العيش داخل روحانية لم يعد فيها الإنسان موجوداً إلا كفراد يُختصر دوره بالنزول إلى الشارع لصرع عدو أو لقلب نظامٍ. هذا كل ما نعرف القيام به.

حتى العلمنة في أوروبا لا تسلم من نقدك بسبب شوفينيتها خلال فترة طويلة...

بالفعل، تبعت العلمنة مفهوم"الدولة الأم"l"Etat-nation الذي ارتكز جهده على تمجيد الأمة ولم يكترث لتشييد حقيقة تاريخية. لكن الأوروبيين اليوم هم الوحيدون في العالم الذين قطعوا أشواطاً مهمة في عملية تخطي هذا المفهوم. فتشييد فضاء مواطنة أوروبي هو فكرة كبيرة وجديدة وثورة حقيقية في تاريخ المجتمعات والدول. تملك العلمنة ديناميكية تسمح لها بالخروج من إطار الدولة وبتشييد فضاءٍ جديدٍ تتحاور فيه الثقافات بحرية مثمرة وتخضع فيه كل منها لنقدّ موضوعي وبنّاء. فهل من المعقول قبول أي شيء؟ خطاب المسلمين في فرنسا وخارجها اليوم خاطئ إسلامياً وتاريخياً، فهل يمكن القبول به وبنتائجه داخل ثقافة الجمهورية؟ هذا ما يشرح التوتر الحالي. ثمة أشخاص في فرنسا يقولون:"حسناً، نحن منفتحون، لكن يُطلب منا اليوم أن نتراجع، كما في ما يتعلق بوضع المرأة". ففي حين أن النساء الفرنسيات سعيدات لدخولهن، للمرة الأولى، إلى دائرة المواطنة الكاملة، تنزل النساء المسلمات إلى الشارع وتختار ساحة"الجمهورية"كي تقول:"لا، لا. نريد أن نتحجّب"! إنه سيرٌ بعكس التاريخ! وهذا ما لا يمكن تحمّله.

> وضعتَ أسس اختصاص علمي جديد،"الإسلاميات التطبيقية"، يُدرّس منذ فترة في عدد من الجامعات الأوروبية والأميركية. ومع أن تسمية هذا الاختصاص تبدو علمية وحيادية، إلا أن أهدافه العلمية والتربوية ثورية على أقل تحديد...

- تماماً."الإسلاميات التطبيقية"هي ميدان بحثٍ علمي يتناول في تطبيقه أمراض مجتمعاتنا التي تطوّرت منذ الخمسينات والستينات. فإذا أخذنا كمثال مصر التي أنتجت عدداً كبيراً من الكتّاب والمفكرين والفنانين الملتزمين من دون عُقد في بحثهم عن الحداثة، والذين قاموا بعملٍ رائع، نلاحظ أن، لدى وصول عبدالناصر إلى سدة الحكم عام 1952، انخرطت هذه الدولة، ودول أخرى وراءها مثل الجزائر، في المغامرة الشيوعية تحت شعار الثورة العربية الاشتراكية. ولكن أين هي هذه الدول اليوم من الاشتراكية والحداثة؟ إنه انهيارٌ كامل. كتّاب"النهضة"ماتوا وقُبروا من جديد ولا أحد يتكلم عنهم اليوم. وعلى رغم خطورة الوضع، الشعوب تصفّق سعيدة لتحررها من الاستعمار. طبعاً كان هنالك استعمار، ولكن يجب دراسة التاريخ لمعرفة لماذا حصل الاستعمار. لو أن الفكر العربي لم يدخل في سبات عميق وطويل لما تمكّن الفرنسيون والإنكليز من الدخول إلى منطقتنا. ويحق لنا أن نفرح لتحررنا من الاستعمار، ولكن، مباشرة بعد الاستقلال، وقعت الدول العربية تحت رحمة أنظمتها الديكتاتورية التي علّقت الحريات والديموقراطية ولم تحترم شعوبها التي كافحت للتحرر من الاستعمار.

> لكن العرب تمكّنوا خلال القرون الوسطى من بلوغ فكر إنساني humaniste مبني على الفلسفة والأخلاق والدين. كيف وصلنا إلى هنا؟

-"الإسلاميات التطبيقية"تجيب عن هذا السؤال. أطروحتي في التاريخ تناولت القرن الرابع الهجري، وقد بيّنتُ فيها كيف كانت المدن العربية والإسلامية مندفعة داخل تجربة إنسانية يحتل العقل فيها مكانة مهمة ولا يلعب الدين فيها دوراً تعطيلياً. كان هنالك تمييز واضح بين العلوم العقلية والعلوم النقلية. لا أنكر حصول بعض التوترات، لكنها كانت خصبة. فعلماء اللاهوت كانوا يطرحون مسائل مهمة وضرورية لا يمكن إهمالها، والفلاسفة أيضاً، على طريقتهم. وذلك ضمن مواجهة مثمرة أفضل مثال عليها عمل ابن رشد على كتب الغزالي بعد 91 عاماً على وفاة هذا الأخير. باختصار، كان اللاهوت والفلسفة يتحاوران في شكلٍ حضاري. أما كيف وصلنا إلى هذه الكارثة التي نعيشها اليوم، فهو سؤالٌ حاولت الإجابة عنه في كتابي"النزعة الإنسانية والإسلام"، وهو موضوع طويل لا مجال الآن لخوضه. المهم هو أن ندرك أن، بين مجتمعاتنا والمجتمعات الأوروبية، هوة عميقة لم يسبّبها الاستعمار، بل سبعة قرونٍ من التخلّف.

> حدّدتَ مثلثاً أنتروبولوجياً عنف ? مقدّس ? حقيقة يبيّن لنا كيف أن العنف ليس حكراً على الممارسات الدينية المتطرّفة، فثمة تطرّف سياسي وعلماني أيضاً.

- بالفعل، ثمة تطرّف يقدّس العنف داخل الحداثة. أثناء حرب العراق الأولى، استخدم الرئيسان ميتران وبوش الأب العبارة ذاتها:"حربٌ عادلة"، وهي مفهوم لاهوتي وضعه القديس أغسطينوس القرن الرابع. والنازية والشيوعية قدّستا أيضاً العنف الأكثر بشاعة. لهذا يجب التمتّع بنظرة أنتروبولوجية على المقدَّس. فحين نقدّس نظرية ما، نقدّس ممارسة سياسية أو دينية لا يعود المساس بها ممكناً. والإنسان دائماً في حالة خشوع أمام المقدَّس ويخشاه، الأمر الذي يلغي لديه أي علاقة نقدية ممكنة مع هذا الموضوع. وأنا أوسّع مفهوم المقدَّس وأربطه بركيزتين حاضرتين في كل تاريخ البشر: العنف والحقيقة، لأن كل مجموعة دينية تعتبر رسالتها"الديانة الحق"، وكل تيار فكري يعتقد أن فكره هو الصحيح. وذلك لا يمكن أن يقود إلا إلى العنف.

> امتنانك للفكر الفرنسي النقدي هو بقدر قسوتك وانتقادك للمتخيّل l"imaginaire الفرنسي بسبب الحجب الرسمي لصفحة الاستعمار في تاريخ فرنسا، وبسبب حجب التاريخ الحقيقي للشعوب المتوسّطية في المناهج التعليمية. ألا يندرج كتابك الأخير في سياق سد هذا الثقب الواسع في المتخيّل الفرنسي؟

- تماماً. هدفي هو محاربة الطابع الامبريالي لمتخيّل جميع المجتمعات. فلكل مجتمع متخيّل خاص به يُفبركه بأدوات وعناصر أيديولوجية مستخدماً مراجع دينية لإضفاء شرعية على ما لا شرعية له. الحروب التي عرفناها على التوالي منذ عام 1945 وحتى اليوم هي غير شرعية جذرياً، ومع ذلك، قمنا بتشريعها. استمعْ اليوم إلى كل ما يقال في فرنسا، في سياق المعركة الانتخابية، وانظرْ كيف ينبني خطاب المرشَّحين. المتملّك من علم الألسنية يلاحظ بسرعة الطابع الأيديولوجي الصافي لكل الخطب، الذي هدفه إثارة أو تحديد المتخيّلات في شكل مبالغ به. إنه مثالٌ آخر على مفهوم"الديانة الحق"ولكن في شكلٍ سياسي، علماني وديمقراطي. أنا أتألم حين أستمع إلى هذه الخُطب، كما أتألم حين أرى حالة الجزائر المذرية. فأنا فرنسي وجزائري معاً مؤمن بالعقل المنبثق من التجارب التاريخية التي نمر بها، أي العقل الذي يوَفّق في نشاطه بين شتى التضامن التاريخي. وأنا سعيدٌ بهذا الكتاب لقبول أهم المؤرّخين الفرنسيين المشاركة في تحريره، كل واحد في اختصاصه، وفقاً للنظرة التاريخية النقدية التي حددتها سلفاً. فهذا يُعتبر تتويجاً لنضالي الفكري والعلمي والتربوي.

خلال هذه النزهة التاريخية الطويلة التي يؤمّنها لنا هذا الكتاب، يتم تفكيك أساطير كثيرة لا تزال متجذرة في المتخيّل الغربي أو الشرقي، مثل معركة"بواتيي"التي تبيّن أنها كانت معركة صغيرة منسية حتى القرن العشرين، أو الحروب الصليبية التي يبدو أنها لم تكن حروباً ضد الإسلام...

كانت حرباً"عادلة"ضد حربٍ"عادلة". فالجهاد موجودٌ ليس فقط في الإسلام بل في المسيحية أيضاً حتى عام 1965. وكل حرب"عادلة"تخاض باسم"الديانة الحق". المخيف هو أن العقل البشري لم يطرح خلال قرون طويلة مسألة احتكار الحقيقة والعلاقات بالله من جانب كل مجموعة دينية. الأسطورة الثالثة تتعلق بحقبة الامبراطورية العثمانية التي لم يتبق منها سوى ذكريات سود، بينما الحقيقة التاريخية هي غير ذلك تماماً. أما الأساطير الأخرى فكثيرة، من بينها الطريقة التي نظرنا فيها إلى عصر"الأنوار"، والكتابات التي تناولت بونابرت خلال حملته على مصر، وصولاً إلى الأيديولوجيات الحديثة.

في الوقت الذي تتم فيه مقابلة الغرب والإسلام، يحدد كتابك، بمقاربته التاريخية النقدية، موقع الفكر العربي في تاريخ الفكر والثقافات في شكلٍ عام، وذلك ضمن فضاءٍ متوسّطي أعيد توحيد أوصاله...

هذا التركيز الأيديولوجي على مقابلة الغرب والإسلام هو جنونٌ صرف يُهين العقل من الجهتين. فداخل الفضاء التاريخي الذي أحدده، ثمة هوية متوسطية موحِّدة وغالباً مهمَلة. ويضم هذا الفضاء إيران ولكن أيضاً دول شمال أفريقيا حيث لا يزال الفلاحون يتبعون التقويم الروماني في عملهم. بقيت روما في هذه المنطقة لفترة ستة قرون! باختصار، يلقي الكتاب الضوء على أسس حضاراتنا، وكيف طمرت كل حضارة الحضارة التي سبقتها. ففي حال تمكنّا من تعليم تاريخ الفضاء المتوسّطي في كل مدارس العالم العربي والغربي، لربحنا الرهان ولبدت الحروب الماضية أو المقبلة عبثية.

 

أنطوان جوكي

حقوق النشر: الحياة 2007

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.