اللغة العربية لغة صعبة للغاية، وكما تذكر: "من دون الحركات (علامات التشكيل) أو نقاط الحروف، يمكن نظرياً قراءة كلمة صغيرة مؤلفة من حرفين بـ 300 طريقة مختلفة". هل وجدت في أبحاثك حول التاريخ العربي ولغته سبب هذه الصعوبة؟

ماكنتوش سميث: لا أدري إن كنا نعلم بالفعل سبب ظهور هذه الصعوبات. حين بدأ تدوين اللغة العربية، خلال الألفية الأولى بعد الميلاد، كانت الكتابة تعتمد على حروف الأبجدية النبطية، واقتصرت على بعض أشكال الحروف.

وهكذا يمكن لشكل عربي واحد أن يمثّل ما يصل إلى خمسة حروف ساكنة مختلفة، والتي يمكن تمييزها بإضافة ترتيبات مختلفة من النقاط. وقد دخلت نقاط الحروف حيز الاستخدام مع مرور الوقت. وتفاقمت المشكلة بسبب عدم كتابة الحركات القصيرة (الفتحة والكسرة والضمة) بشكل عام.

لا تهم هذه الثغرات كثيراً حين تقرأ شيئاً فيه تكرار كبير للأفكار والكلمات، إذ يمكنك غالباً التنبؤ بالكثير مما سيُقال. لكنها تكون أكثر أهمية حين يأتي الأمر إلى نص دقيق للغاية مثل القرآن، ومن هذا السياق تأتي الحاجة إلى استحداث نقاط الحروف والحركات. وقد استُخدِمت في القرآن في وقت مبكر إلى حدٍّ ما. لكن الكثير من النصوص الأخرى كانت منقّطة بشكل قليل، وحتى اليوم من النادر استخدام الحركات فيها. لذلك فإنّ قراءة اللغة العربية تشبه إلى حد ما لعب الشطرنج: دائماً ينبغي عليك أن تقرأ بشكل تنبؤي. بينما قراءة الإنكليزية أو الألمانية أكثر وضوحاً، أشبه بلعب الداما.

 

هل يمكنك أن تخبرنا بالمزيد عن نشأة اللغة العربية؟

ماكنتوش سميث: بكل تأكيد هناك الكثير من التكهنات. بيد أنه من الواضح، إلى حد ما، بالمقارنة مع لغات أخرى فيما يسمى بمجموعة اللغات السامية، أنّ اللغة العربية تحتفظ ببعض المميزات التي قد تكون قديمة جداً بالفعل. بعبارة أخرى، على الأقل جزء مما أصبح اللغة العربية يعكس على الأرجح جوانب "سامية" من فترة مبكرة جداً، ربما في الألفية الخامسة قبل الميلاد. بالطبع، تتطوّر اللغات مع مرور الوقت، ومن ثم تتفرّعُ إلى لهجات، واللغة العربية ليست مختلفة.

والجدير بالذكر أنه، إضافة إلى تفرّع اللغات إلى لهجات، فإنّ شيئاً شبيهاً بالكوينِه (لهجة مختلطة) الشعرية كان مُستخدماً قبل الإسلام بفترة طويلة، وهي لغة خاصة رفيعة استخدمها الشعراء والعرافون والخطباء. وبهذه اللغة الخاصة نزل القرآن.

حقيقة أن القرآن قد دُوِّن على الفور (وبالتالي هو أول كتاب عربي) جعلت منه لغة أدبية. وهذه اللغة هي التي وحّدت الثقافة العربية (أو ثقافة العرب) بغض النظر عن اللهجات التي يتحدث بها الناس، على الرغم من أنّ العرب غالباً ما كانوا غير موحدين سياسياً.

سورة الفاتحة من القرآن الكريم. Al-Fatiha sura; calligraphy by Aziz Efendi (d. 16 August 1934) - Muhittin Serin: Hattat Aziz Efendi. Istanbul 1988. ISBN 375-7663-03-4 Invalid ISBN. p.53., Public Domain, via Wikimedia Commons
الأمة العربية لا تسكن أرضاً وإنما تسكن لغتها: يقول ماكنتوش سميث "لا أحد يتحدث "العربية الفصحى" بوصفها لغته الأم، ولم يفعل أحد ذلك على الإطلاق. وفي الوقت ذاته، فإنّ اللغة العربية الفصحى هي لغة ذات قوة ومرونة وجمال لا يصدّقُ. يتوق العرب إليها، حتى وإن كان معظمهم يجد صعوبة في كتابتها أو الحديث بها. إنها تزود العرب بهوية، وبوطن ثقافي". يكشف كتاب تيم ماكنتوش سميث، "العرب"، كيف ساعدت التطورات اللغوية وأعاقت تقدم تاريخ العرب. ويتحدث حول كيف أنّ اللغة العربية حتى في بيئة ما بعد الربيع العربي اليوم الممزقة سياسياً، لا تزال مصدر وحدة وانقسام.

هل اللغة العربية لغة اصطناعية بطريقة ما؟

ماكنتوش سميث: هي اصطناعية بطريقة ما، إذ لا يتحدث أحد "العربية الفصحى" بوصفها لغته الأم، ولم يفعل أحد ذلك على الإطلاق. وفي الوقت ذاته، فإنّ اللغة العربية الفصحى هي لغة ذات قوة ومرونة وجمال لا يصدّقُ. يتوقُ العرب إليها، حتى وإن كان معظمهم يجد صعوبة في كتابتها أو الحديث بها. إنها تزود العرب بهوية، نوع من الوطن الثقافي. كما قال المفكر التونسي، والرئيس السابق لتونس، منصف المرزوقي: "أمتنا خلافاً لكل الأمم، لا تسكن أرضاً وإنما تسكن لغتها ".

 

كيف نجحتَ في تعلم اللغة العربية؟ وما هي الصعوبة الأكبر بالنسبة لك في التحدث والقراءة بها؟ وما هو أكثر ما تحبه في اللغة العربية؟

ماكنتوش سميث: بدأت بقاموس وكتاب يحتوي على نصوص بسيطة، وحبست نفسي في كوخ في الجزر الغربية (هبرديز الخارجية) في أسكتلندا. كما كان لدي بعض المعلمين الرائعين في أوكسفورد. بيد أنه يمكنني القول إنني تمكنت من اللغة العربية تماماً بعد ذهابي إلى اليمن في عام 1982.

بالطبع تعلّمت الكثير من العيش هناك لسنوات ومن التحدث باللهجة المحلية. لكنني التقطت أيضاً العادة اليمنية المتمثّلة في مضغ أوراق القات المنبهة، وطوّرت عادتي الخاصة في الجلوس يومياً لتناول أوراق القات وأوراق الكتب العربية، لمدة ثلاث أو أربع ساعات. وقد ساعدني ذلك كثيراً!

يسعدني أن أتحدث في المنزل بلهجة صنعاء، عاصمة اليمن؛ عند التحدث بعربية أكثر "رسمية"، ينبغي عليك دائماً التفكير عن نفسك مسبقاً. أما فيما يتعلق بالقراءة، غالباً ما أجد نفسي في حيرة حول المعاني الدقيقة في الشعر والنثر: يبتهج بعض الكتاب بكونهم غامضين ولعوبين.

وبعد ذلك تصل إلى غابة المعنى حيث يجتمع الصوت والإحساس والبساطة. وفي لحظات كهذه، يمكنك أن تصبح مفتوناً للغاية: أفضل الكلمات بأفضل ترتيب، تعزف مباشرة على المشاعر.

 

هل يمكنك أن تخبرنا عن مشروعك القادم؟

ماكنتوش سميث: أعمل على تحرير وترجمة سيرة ابن خلدون الذاتية، لصالح المكتبة العربية (المدعومة من مطبعة جامعة نيويورك). وهي نص رائع: ممزوج بقصة حياته المليئة بالأحداث وبالألاعيب السياسية والمآسي الشخصية، كما أنه يقتبس الكثير من الشعر والنثر المقفى الذي يعود له ولأصدقائه. وبالتالي فالأمر برمته أشبه بسجل قصاصات أدبي سياسي تأملي ذاتي من أواخر القرن الرابع عشر الميلادي.

كما أقوم بإعداد تاريخ آخر، تاريخ يشبه الذي كتبته عن العرب من حيث إنه يغطي فترة زمنية واسعة، بيد أنه، ولحسن الحظ، يغطي مساحة جغرافية صغيرة جداً، حوالي ضعف مساحة حديقة سنترال بارك في نيويورك... يقول صديقٌ لي إن كتابي حول تاريخ العرب هو عمل ضخم، هذه المرة سيكون العمل مختلفاً، ملحمة صغيرة.

 

 

حاورته: إليزابيت كنوبلاوخ

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

تيم ماكنتوش سميث: مستعرب ومترجم ورحالة مرموق. من منشوراته السابقة: "Travels with a Tangerine (سافِرْ مع اليوسفي - رحلة على هامش ابن بطوطة)"، و"اليمن: رحلات في قاموس الأرض". عاش في العالم العربي لمدة 35 عاماً، وهو زميل في المكتبة العربية.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة