المسلمون في الهند مواطنون من الدرجة الثانية في عهد ناريندرا مودي

تشدد قومي هندوسي ينسف إرث غاندي التسامحي

بعد مرور 150 عاما على ولادة المناضل الهندي من أجل الحرية المهاتما غاندي، ابتعدت الحكومة القومية الهندوسية في نيودلهي -في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي- عن إرثه السلمي أكثر بكثير من أي حكومة هندية سابقة. يبرز ذلك من خلال الإقصاء الممنهج المستمر للفئة المسلمة. دومينيك مولر والتفاصيل.

ولد مهاتما غاندي في الثالث من تشرين الأوَّل/أكتوبر قبل مائة وخمسين عامًا [من السنة الحالية 2019]. يعتبر غاندي في جميع أنحاء العالم رمزًا للمصالحة والمقاومة غير العنيفة، وكان يراه الكثيرون من الهنود لعدة عقود من الزمن كزعيم للكفاح من أجل الاستقلال عن الحكم الاستعماري البريطاني. 

لا تزال صورته موجودة على جميع الأوراق النقدية ولا تزال تماثيلة النصفية تُزيِّن العديد من المباني الرسمية في شبه القارة الهندية. أُقيمت في الهند أيضًا بعض الفعاليات التذكارية (في ذكرى ولادته). غير أنَّ أعضاء الحزب الحاكم وغيرهم من القوميين الهندوسيين يريدون القضاء عليه ونَسْف إرثه.

كتب ناتهورام غودسي: "كنت على قناعة تامة بأنَّ تعاليم غاندي الداعية إلى اللاعنف المطلق ستؤدِّي في آخر المطاف إلى جعل المجتمع الهندوسي مجتمعًا عقيمًا، غير قادر على مقاومة عدوان المجتمعات الأخرى، وخاصة المسلمين".

لقد دخل ناتهورام غودسي التاريخ كقاتل غاندي. واعترافه المُدوَّن في مائتي صفحة بعنوان "لماذا قتلتُ غاندي" - كتبه قبل فترة قصيرة من إعدامه في عام 1949 - متوفِّرٌ اليوم في جميع المكتبات ومحلات بيع الكتب الهندية.

انقسام عميق

لا يكاد يوجد أي مكان في الهند يتم فيه انتهاك وتدمير إرث المهاتما غاندي الداعي إلى التعايش السلمي بين الأديان مثلما هي الحال في ولاية غوجارات، التي نشأ غاندي على ساحلها وأسَّس في أحمد آباد في عام 1915 مركزه الروحي الأوَّل، المعروف باسم "غاندي أشرم". يمتد اليوم عبر مدينة أحمد آباد جدارٌ طوله ثلاثة كيلومترات وارتفاعه ثلاثة أمتار، تعلوه أسلاك شائكة وقطع زجاج مصبوبة في قمته. يفصل هذا الجدار منطقة فيجالبور عن منطقة جايابورا المجاورة.

 

حي من الصفيح واقع في ضواحي مدينة أحمد آباد باسم سيتيزن-ناغر "مستوطنة المواطنين" - الهند.  Foto: Dominik Müller
مسلمو الهند كمواطنين من الدرجة الثانية: يُعرَف حيُّ الصفيح هذا الواقع في ضواحي مدينة أحمد آباد باسم سيتيزن-ناغر "مستوطنة المواطنين". يقع هذا الحيُّ الفقير بين مكب نفايات المدينة ومصنع كيماويات. ويسكنه مسلمون اضطروا خلال مذابح عام 2002 إلى الفرار من أحياء أخرى في مدينة أحمد آباد.

 

يرتفع من جانب الجدار صوت إيقاعات معزوفة وأجراس المعابد في فيجالبور، وهو حيٌّ راقٍ تقطنه الطبقة الوسطى في جنوب مدينة أحمد آباد ذات الستة ملايين نسمة. وترفرف على جانبي الشارع وواجهات المباني أعلام بلون الزعفران. تُشاهَد على العديد من البنايات لافتات كتب عليها: "للهندوسيين فقط".

وعلى الجانب الآخر من الجدار تشكِّل الشوارع والطرق المُعبَّدةُ حالةً استثنائيةً - فبعد مذابح عام 2002 ازداد عدد سكَّان منطقة جايابورا إلى أكثر من أربعمائة ألف نسمة. هرب إلى هناك الكثيرون من المسلمين بعد طردهم من منازلهم الكائنة في أحياء أخرى من أحمد آباد. في تلك الفترة، كان رئيس الوزراء الحالي، ناريندرا مودي، رئيسًا لحكومة هذه الولاية.

تبدو منطقة جايابورا ضَيِّقةً ومُترِبة ومتهدَّمة. يرتفع فيها خمسَ مرَّات في اليوم صوتُ المؤذِّن إلى الصلاة من أحد مساجدها البالغ عددها نحو ألف مسجد. تنتشر فيها أعلامٌ خضراء. ومنطقة جايابورا هي أكبر غِيُّتو للمسلمين في الهند. يُطلَق على منطقة جايابورا أيضًا اسم "باكستان الصغيرة" في إشارة إلى عدوة الهند اللدودة باكستان.

يقول مأمون تريفدي، وهو مسلم من أحمد آباد: عندما يكون لديك عنوان في جايابورا أو اسم يدل على أنَّك مسلم، فلا تُتْعِب نفسك حتى في التقدم للحصول على وظيفة في المؤسَّسات العامة. ويضيف أنَّ هناك أشكالًا عديدة لإهانة المسلمين ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

"لقد جمعوا ذات مرة جميع الكلاب من المدينة وألقوا بها في الأحياء المسلمة، وخاصة هنا في جايابورا"، مثلما يقول الشاب مأمون تريفدي ذو الخمسة وأربعين عامًا: "كلُّ شخص هنا في هذا الغِيتُّو يشعر بأنَّه معرَّضٌ للأذى والانتهاك". ويضيف أنَّ أنابيب الصرف الصحي لم تتم صيانتها، وأحيانًا لا يمكن احتمال الرائحة الكريهة، لا توجد هنا بنوك وأجهزة صرَّاف آلي، كما أنَّ إمدادات الكهرباء والمياه غير كافية على الإطلاق.

الاحتفال بقاتل غاندي كبطل شعبي

"ناتهورام غودسي كان رجلًا وطنيًا وهو رجلٌ وطني وسيظل رجلًا وطنيًا"، مثلما أعلنت مرشَّحة حزب بهاراتيا جاناتا في دائرة مدينة بوبال المليونية، براجيا سينغ ثاكور، في شهر أيَّار/مايو (2019) أثناء الحملة الانتخابية، وقالت: "من الأفضل للأشخاص الذين يصفونه بإرهابي أن يُمعنوا التفكير. وفي الانتخابات سيحصلون على الإجابة المناسبة". وتصريحها هذا احتل العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام الهندية، وذلك لأنَّ التصريح بمثل هذه الإشادة بقاتل غاندي لا يزال يعتبر حتى يومنا هذا تجاوزًا للحدود.

هذه المُرشَّحة البالغة من العمر ثمانية وأربعين عامًا، تباهت علنًا بأنَّها كانت قد شاركت عام 1992 في تدمير مسجد بابري في أيوديا القريبة. وقد اُتِّهِمَتْ أيضًا بالمشاركة في هجوم بالقنابل وقع في عام 2008 وقتل فيه العديد من المسلمين الهنود. ولهذا السبب فقد قضت تسعة أعوام في السجن وتم إطلاق سراحها منذ عام 2017 بعد دفع كفالة - لكن الحكم النهائي ما زال مُعلقًا. وعلى الرغم من ذلك فإنَّ حزب بهاراتيا جاناتا عَيَّنها كمرشحة.

رفض بعض أنصار الحزب وكذلك رئيس الوزراء ناريندرا مودي فقط إشادتها بقاتل غاندي، ولكن من دون المطالبة لهذا السبب باستبعادها من الحزب أو فرض عقوبات عليها. هذه المتشدِّدة الهندوسية، التي تراجعت عن تصريحها بعد عزوف وتردُّد كبيرين، فازت في دائرتها الانتخابية بأغلبية مطلقة بلغت أكثر من ستين في المائة في الانتخابات البرلمانية الهندية 2019.

 

نحو مليوني شخص من المسلمين في ولاية آسام الهندية مهددون بترحيلهم إلى بنغلاديش.   Foto: AFP/Getty Images
أشخاص أصبحوا عديمي الجنسية: نحو مليوني شخص في ولاية آسام الهندية مهدَّدون بترحيلهم إلى بنغلاديش. ووفقًا لتقارير إعلامية هندية فقد نشر سجل المواطنين الوطني أسماء مليون وتسعمائة ألف شخص مسلم يعيشون في المنطقة كمهاجرين غير شرعيين. الكثير من الأشخاص المتضرَّرين هربوا في عام 1971 خلال حرب استقلال باكستان الشرقية - المعروفة اليوم باسم بنغلاديش - إلى منطقة آسام الهندية المجاورة.

 

صحيح أنَّ المذابح الكبيرة، مثل المذبحة التي حدثت في عام 2002 وأثارت ضجة على الساحة الدولية، لم تعد تحدث منذ ذلك الحين. ولكن منذ أن أصبح حزب بهاراتيا جاناتا في السلطة، باتت تزداد عمليات قتل المسلمين على أيدي غوغائيين يقومون بتنفيذ إعدامات ميدانية، وغالبًا بدعوى استهلاك المسلمين لحم البقر. نادرًا ما تتم معاقبة هذه الجرائم، بل يتم حتى تبريرها من قِبَل بعض سياسيي حزب بهاراتيا جاناتا. أثارت جرائم القتل هذه الخوف والذعر لدى الكثير من المسلمين البالغ عددهم مائتي مليون نسمة.

العنف والتعسُّف الإداري ضدَّ المسلمين

كما أنَّ إنهاء دوَّامة العنف لا يزال بعيد المنال: وذلك بسبب التحضير حاليًا لموجة تطهير عرقي حقيقية في ولاية آسام شمال شرق الهند. حيث يجب على جميع السكَّان البالغ عددهم خمسة وثلاثين مليون نسمة أن يثبتوا أنَّهم أو آباءهم كانوا يعيشون في آسام قبل عام 1971. وإلَّا فإنَّهم سيفقدون جنسيَّتهم. تم في بداية شهر أيلول/سبتمبر 2019 نشر قائمة تضم مليونًا وتسعمائة ألف اسم شخص فقدوا جنسيَّتهم - غالبيتهم مسلمون. لقد بدأت السلطات في طردهم من أحيائهم واعتقالهم.

وكونهم أصبحوا عديمي الجنسية فلم يعد بإمكانهم الذهاب إلى أي مكان. وقد أشارت بنغلاديش المجاورة - ذات المائة وستين مليون نسمة - إلى أنَّها لن تستقبل الأشخاص عديمي الجنسية.

تعتبر ولاية آسام مختبر تجارب وهجومًا على الأقلية المسلمة في الهند، تمامًا مثل الحرمان من الحقوق الخاصة بكشمير. أعلن وزير الداخلية الهندي أميت شاه عن أنَّه يريد التحقُّق من الجنسية في جميع أنحاء الهند على غرار ما حدث في ولاية آسام. وأميت شاه الذي يصف المهاجرين المفترضين بأنَّهم "حشرات"، يُعَدُّ منذ عقدين من الزمن أقرب المقرَّبين لرئيس الوزراء ناريندرا مودي. لقد ابتعدت حكومة مودي في نيودلهي عن إرث المهاتما غاندي أكثر بكثير من أي حكومة سبقتها.

 

دومينيك مولر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.