النزول من البرج العاجي

بسبب محاولاتهم التمييز عند الحديث عن الإسلام، يوصم هؤلاء الباحثون بـ"المتعاطفين مع الإسلام"، وهو توصيف ذو أبعاد سلبية. لكن متى أصبح "التعاطف" أمراً سلبياً؟ يقصد النقّاد من خلال ذلك أن الباحثين يظهرون فهماً لإسلام يرون هم فيه ديناً سياسياً عنيفاً وغير متسامح، بل ويصنفه بعضهم على أنه أيديولوجية سياسية متنكرة في زي ديني.

دراسة للباحثة كارين ملودوخ من معهد لايبنتس للمشرق المعاصر في برلين (مركز ZMO) حول الصدمة في كردستان العراق.
دراسة معهد لايبنتس للمشرق المعاصر في برلين (مركز ZMO) حول الصدمة في كردستان العراق: الهجوم الوحشي لمقاتلي "داعش" أعاد بوصلة الرأي العام مجدداً إلى العراق وإلى الصراعات المستمرة بين الأقليات والمذاهب المختلفة هناك. هذه الصراعات لا تُلام عليها فقط سياسات التقسيم العرقي والديني في السنوات الأخيرة بعد الغزو الأمريكي عام 2003، بل إنها من إرث سلطة حزب البعث الدكتاتورية. من خلال "حملة الأنفال" التطهيرية تبحث كارين ملودوخ في أحد مظاهر هذه السلطة الدكتاتورية وآثارها النفسية.

الانتقاد المصحوب بالتعميم لـ"الإسلام" لا يجلب في أوروبا الكثير من أصوات الناخبين وحسب، بل ويؤدي إلى كسب الكثير من المال أيضاً. كتب معادية للإسلام مثل "استيلاء عدائي: كيف يؤخر الإسلام عجلة التقدم ويهدد المجتمع" لتيلو زاراتسين أو كتاب حامد عبد الصمد "الفاشية الإسلامية: تحليل"، باتت تتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، التي لا يظهر فيها أي كتاب يقدم نظرة شارحة ومميزة وعلمية عن الإسلام.

تُلام وسائل الإعلام على هذا النقاش أحادي الجانب: من وجهة نظر ناقدي الإسلام، الذين يرون أنها تنشر "تسامحاً خاطئاً" مع الإسلام، ومن وجهة نظر باحثي الإسلام، لأنها تلجأ بشكل كبير إلى صور نمطية عن الإسلام.

هناك كم كبير من المحاولات الصحفية للكتابة بشكل تمييزي وموضوعي عن الإسلام، ولكن لا توجد إلا قلة من الباحثين الذين يمكن إيجادهم في خضم النقاش العام. على هؤلاء الباحثين أن يحسّنوا من مهاراتهم الإعلامية، مثل استخدام وسائط التواصل الاجتماعي بشكل أكبر. فـمركز ZMO، الذي يحاول الوصول إلى المشهد العام عبر سيل من المشاريع والمعارض والحفلات الموسيقية، لا يوجد لديه حساب على "تويتر" حتى، بالرغم من أنه يناقش مواضيع راهنة، مثل الانتخابات المحلية الأخيرة في تركيا أو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في تونس.

 

{نظرا لمحاولاتهم في طرح تمييزي وموضوعي عند الحديث عن الإسلام، يوصم باحثون غربيون بـ"المتعاطفين مع الإسلام".}

 

ومع ذلك، يبقى الباحثون الأكاديميون غائبين في النقاشين الإعلامي والسياسي، وهو ما انتقدته الصحفية شارلوته فيديمان في جلسة النقاش: "أتمنى أحياناً أن يتدخل العلم أكثر في هذا النقاش". وتضيف فيديمان أن هناك مواضيع كثيرة، كالوضع السياسي في مالي، على سبيل المثال، تغيب في ظل تركيز النقاش العام على الحرب في سوريا والمعركة ضد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية. وبالرغم من وجود بعثة للجيش الألماني في مالي، إلا أنه يكاد لا يوجد أي نقاش عام في ألمانيا حول تأثير التدخل العسكري على حياة الناس والوضع السياسي هناك.

لماذا، إذاً، لا يقوم باحثو وباحثات غرب أفريقيا بملء هذه الفجوة؟ مالي هنا مثال على الكثير من المواضيع. وعندما واجهت الصحفية الباحثين بهذا السؤال، استخفوا به، إذ لا يوجد الكثير من الوقت لذلك، وهناك منافسة وضغط كبيرين لإصدار الأبحاث ومطاردة السلم الوظيفي في النظام البحثي العلمي القائم. كما تنقصهم الخبرة والكفاءة لتفنيد الصور المبسطة في الإعلام.

 

 

{الانتقاد المصحوب بالتعميم لـ"الإسلام" في أوروبا بات لا يجلب فقط الكثير من أصوات الناخبين  بل ويؤدي إلى كسب الكثير من المال أيضاً.}
 

 

كتابة تقارير متميزة تتطرق إلى قضايا مركبة أيضاً ليس بالأمر الهين للصحفيين في الوسط الإعلامي السريع التقلب، مثلهم مثل الباحثين الذين يسعون إلى إيصال مواضيعهم إلى النقاش العام.

لم تظهر جلسة النقاش في برلين كيف يكون العمل الأكاديمي ذكياً ومميزاً وحسب، بل وأظهرت أيضاً كم ينقصه من جهد لإيصال هذا العمل خارج البرج العاجي الأكاديمي. لكن العلم يبقى أغلب الوقت محصوراً ضمن دائرة ضيقة، ويتناقش في ظل ضبابية التمييز، بينما يهيمن الشعبويون في "الخارج" على النقاش السائد. لقد بات ضرورياً أن يتدخل العلم بشكل عاجل.

 

 

 
رينيه فيلدأنغل
ترجمة: ياسر أبو معيلق
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
 
 
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.