تنازل عن "إسقاط الفساد والاستبداد"

لماذا سيصوت المواطن على حكومة نصف أعضائها ينتمون إلى حكومة أخرى، قال بنكيران نفسه، إنه لا يعرف من أين تأتيها تعليماتها ولا يعرف من يٌملي عليها قراراتها!

هناك من يقول بأن ذهاب بنكيران أو عدم تصدر حزبه للانتخابات المقبلة سيكون خسارة للتجربة الديمقراطية المغربية، وسيعطل الانتقال الديمقراطي المغربي المعطل أصلا، لكن ما الذي قدمه بنكيران وحزبه للتجربة الديمقراطية في المغرب طيلة السنوات الخمس الماضية؟ بالعكس فوجود الحزب في المعارضة رغم محدودية آدائه فيها كان أفيد للعباد وانفع للبلاد، ولا يعني هذا أنه لو عاد غدا إلى مقاعده في المعارضة سيستعيد بكارته المفقودة، لأن سنوات تسييره للشأن العام ستكون حٌجة ضده إذا ما أراد استعارة خطاب المعارضة من جديد. بل وهناك من يرى أن السلطة نفسها لا تريد أن تدفع بـ "العدالة والتنمية" إلى صفوف المعارضة بعد انتخابات أكتوبر، أولا، لأن وجوده في الحكومة مازال يخدم الكثير من مصالحها "الاستراتيجية" لتمرير مزيد من قراراتها اللا شعبية، وأيضا لدفعه إلى ممارسة المزيد من الرقابة الذاتية والضبط والتحكم في الأصوات المزعجة داخل صفوفه، وأخيرا لإنهاكه، لأن السلطة تستنزف صاحبها، قبل إعلان نهاية صلاحيته كما فعلت مع حزب "الاتحاد الاشتراكي" .

لقد نجحت استراتيجية السلطة حتى اليوم، في تركيز كل النقاش داخل وخارج حزب "العدالة والتنمية" حول شخصية أمينه العام وكرسيه في رآسة الحكومة، وأعتقد أن هذا هو الموضوع الذي ستركز عليه الحملة الانتخابية التي بدأت من الآن للتغطية على ما هو أهم، أي الإصلاحات الحقيقية التي طالبت بها حركة 20 فبراير، والتي لخصتها في شعارها المركزي "إسقاط الفساد والاستبداد".

وحتى إذا ما حاولنا الاقتناع برأي المدافعين عن بقاء بنكيران في منصبه إذا تصدر حزبه الانتخابات المقبلة، انتصارا لـ "المنهجية الديمقراطية" التي سنها دستور 2011، فإلى أي حد سيصمد بنكيران نفسه للانتصار لنفسه؟  فغدا عندما سيختار القصر  شخصا آخر غيره اسمه عزيز الرباح أو سعد الدين العثماني وربما مصطفى الرميد، سيخرج علينا بنكيران بتأويلاته ومنطقه الذي يحلل به الحرام متى شاء ويحرم به الحلال متى ائتمر بذلك. وقد استبق بنكيران نتائج الانتخابات وقرار الملك، وأعلن بأنه سيعود إلى بيته إذا ما اختار الملك أحدا آخر غيره من داخل حزبه، في حالة تصدره لانتخابات أكتوبر، لقيادة الحكومة المقبلة. وإذا كان بنكيران قد أعلن بأنه غير مستعد لـ "المحاربة" من أجل البقاء في منصبه، فكيف يمكن أن يٌقنع الآخرين بـ "المحاربة" عوضا عنه لإعادة تثبيته في منصبه؟ !

ملك المغرب محمد الخامس
يمكن لخيوط المحيط الملكي (في الحكومة وفي إدارات الدولة) أن تعرقل مبادرات الإصلاح لحزب العدالة والتنمية، خصوصاً في حال تهديد مصالح القصر الملكي.

وبالمقابل فإن تصدر "الأصالة والمعاصرة" الانتخابات المقبلة، وترأسه الحكومة سيكون وبالا على الجميع، وستكون العودة إلى الوراء حتمية لا ريب فيها، ولا أعتقد أن السلطة نفسها تحبذ سيناريو من هذا النوع لأنه سيعيد إذكاء نار الغضب الشعبي التي إنما خمدت ولم تنطفئ. وفي حال تحقق هذا السيناريو فإن من أهم ميزاته هو أنه سيجعل اللعبة مكشوفة وسيعري عن وجه الاستبداد والفساد الحقيقين وسيضعه في مواجهة مباشرة مع الشارع بدون وساطات ولا "بارشوكات".

لقد نجحت السلطة في وضع الناخب أمام خيارين أحلاهما مر. ما بين المنجل وقبضة المنجل، وكلاهما طوع الذراع الطويلة للسلطة. لقد كان كل الوزراء الأولون في الحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام المغربي بما فيهم رئيس الحكومة الحالية المنتهية ولايتها، بمثابة "قبضة" المنجل، أغلبهم كان حريريا ناعم الملمس وبعضهم مثل بنكيران بقي خشنا رغم كل محاولاته تطويع نفسه في قبضة سيده. أما المنجل، فمن عاشوا قساوة سنوات الجمر والرصاص فقد عانوا من حِدَّتِه وبطشِه.  والمنجل كما يعرف أبناء الفلاحين له قبضة وليس له غِمد.

الناخب المغربي اليوم أمام مفترق طرق كبير ، وفي حيرة كبيرة من أمره وهو يسأل نفسه: ما العمل؟

لقد أثبتت تجارب مقاطعات الاستحقاقات السابقة لا جدواها، بل وسلبياتها الكثيرة التي راكمت لنا كل هذا الكم الهائل من الفساد والاستبداد، لأنها لم تساهم سوى في تحييد أغلبية الشعب وإتاحة الفرصة لنفس اللاعبين لتبادل نفس الأدوار واقتسام الكعكة فيما بينهم. وأمام الخيارات الثلاثة المطروحة اليوم أمام الشعب، خيار التجديد لبنكيران وفريقه الفاشل، وخيار التصويت لغريمه حزب السلطة الساعي إلى إعادة عقارب الساعة إلى ما بعد لحظة 20 فبراير، وخيار التصويت "لفيدرالية اليسار" كمسلك ثالث حظوظه اليوم ضعيفة لأسباب موضوعية مرتبطة بضعف مكوناته وتشتت أصواته، وخيار المقاطعة الغير مجدية، هناك خيار خامس هو خيار التصويت العقابي. التصويت العقابي ضد أحزاب السلطة وأذنابها لأن التصويت لها هو تزكية لها، والتصويت العقابي ضد بنكيران وحزبه حتى تهتز  الأرض تحت كراسيهم الوتيرة التي بات يؤمنها لهم جمهور انتخابي حديدي  مٌبرمج.  والتصويت العقابي ضد السلطة نفسها التي لا تسعى سوى إلى فرض إرادتها على إرادة الشعب. 

هناك من سيقول بأن التصويت العقابي هو آلية من آليات العمل الديمقراطي والواقع أن ما تفتقده التجربة المغربية هو  غياب الديمقراطية نفسها. لكن التصويت العقابي، في هذه الحالة،  يمكن أن يكون تصويتا أبيضا حتى وإن كان التصويت الأبيض مثله مثل قرار المقاطعة، لن يغير كثيرا من قواعد اللعبة، إلا انه سيرسل أكثر من رسالة إلى أصحاب اللعبة والمستفيدين منها. تصويت أبيض للرد على خياري السلطة اللذين تريد أن تفرضهما على الشعب: إما مرشحها أو المرشح الذي لن يزعجها فوزه أو من هي متأكدة من تحجيم فوزه والتحكم فيه.

إنه خيار صعب على من لازالوا يثقون في اللعبة الانتخابية، وخيار أصعب على من ألفوا مقاطعتها ليأسهم منها، ولكن ليٌجرب هذه المرة من لازالوا يكلفون أنفسهم عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع فلن يخسروا أكثر مما سيخسرونه لو نجحت الخيارات الأخرى وكلها ستكون كارثية على مستقبل البلاد والعباد.

 

على انوزلا

حقوق النشر: موقع لكم 2016

صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : خيار التصويت العقابي!

ليكن في علم الكاتب المحترم ان ان نسبة المشاركة الانتخابية المقدرة ب 30 في المائة ،كان من حظ حزب العدالة و التنية ان تفوز باكبر حصة من هده النسبة الهزيلة ،بل يمكن القول ان هدا الحزب عرف كيف يكون قاعته السياسية من بين كل الطبقات الاجتماعية بما فيها الطبقة الشعبية التي توصلت ببعض الدعم المادي الدي مكنها من كسب قوة يومها ،اما عن اسباب التمكين للاستبداد في مزيد من التصرف في خيرات البلاد والتحكم في رقاب العباد فهو يعود بالاساس الى اللامبالات الطبقة الوسطى و كدلك الى خيانة النقابيين و ضعف التأطير الجمعوي و السياسي ،كما لعب هدا الحزب ورقة غض النظر عن اباطرة الفساد المالي و السياسي و الاداري ،حيث بقيت دار لقمان على حالها من حيث حقوق الانسان ،داخل الاسواق و داخل الادارات العمومية ،وبقيت الطبقة المستضعفة المؤمنة تعيش بين مطرقة غلاء التعليم و التطبيب الخاص وفاتورات الماء و الكهرباء و بين سندان الاجرة الهزيلة .

الحسن لشهاب/المغرب04.11.2016 | 22:03 Uhr