يعي عبد المجيد الشرفي، مثل أي محقّق أكاديمي أنّ " عملنا هذا ليس موجّها إلى جمهور كبير، لقد تلقينا من زملائنا الباحثين ردودا إيجابية". لكن، على سبيل المثال، في حين تثير الصيغ المختلفة من نصوص كافكا في الدرجة الأولى اهتمام الباحثين المختصين بكافكا فإن هذا المشروع مختلف تمام الاختلاف، وذلك لأنّ اختلاف القراءات في القرآن يمكن أن يصبح أمرا مهما بالنسبة لمليار وثمانمائة مليون مسلم في جميع أنحاء العالم، ويدرك الأستاذ عبد المجيد الشرفي ذلك.
 
لنأخذ مثالا على ذلك: ففي الآية السادسة من سورة الصف في القرآن المتّفق عليه يُبشّر عيسى بن مريم برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وبالنسبة إلى المسلمين فإنّ هذا الرسول هو محمد، خاتم أنبياء الله. ولكن توجد في طبعة الشرفي قراءة مختلفة لا تحتوي على أي اسم. تم حظر طبعة "المصحف وقراءاته" في السعودية فور صدورها أمّا في تونس فقد نفدت جميع نسخها.
 
ثمّ يأخذ الحديث مع الأستاذ الشرفي منعطفا سياسيا فيحذّر: "يجب علينا أن نتوقف عن أخذ القرآن حرفيا" لأن عواقب مثل هذه القراءة الجديدة وخيمة جدا:" توجد في القرآن رسالة نبوية تقويضية، وكذلك يوجد في الإسلام دين ذو طابع مؤسسي، يخلق العقائد والطقوس والمذاهب." وهذا يعني اليوم بالنسبة إلى المسلم المتدين:" الرجوع إلى المصادر: لا مطلق سوى الله".
 
 
" هذا يمسّ أسس الإسلام الثابتة" مثلما يقول جان فوتنين، وهو لاهوتي كاثوليكي ومدير مركز قرطاج للدراسات في تونس، وقد كرّس عمله منذ نحو ستين عاما من أجل حوار الأديان. إنّ من يدرس معه القراءات المختلفة ينحبس نفسه نظرا إلى آفاق المعنى الواسعة. الجملة الأساسية بالنسبة للأمة الإسلامية في سورة آل عمران (الآية الثامنة عشر)" إن الدين عند الله الإسلام " ليست سوى واحدة من عدة قراءات في طبعة الشرفي. فقد رويت أيضا هذه القراءة:" إن الدين عند الله الحنفية" أي دين إبراهيم، وهو أبو جميع الديانات التوحيدية (هذه الديانة ما قبل الإسلامية لا يجب خلطها مع الحنفية التي تعدّ واحدا من المذاهب السنية الأربعة).
 

جامع الزيتونة في تونس. (photo: picture-alliance/Bildagentur Huber)
للقراءة النقدية للقرآن تقليد عريق في تونس: كانت جامعة الزيتونة المؤسّسة في عام سبعمائة وسبعة وثلاثين ميلاديا في قلب مدينة تونس القديمة حتّى إغلاقها من قبل مؤسس الدولة الحبيب بورقيبة مركزا عالميا للإسلام المعتدل وحصنا منيعا ضدّ الوهابية. لم يعد اليوم وجود لمثل هذا الصرح المخصص للنقاش العلمي في العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه تونس هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمّ فيها منذ عقود من الزمن مناقشة القرآن في كلّيات الآداب والعلوم الإنسانية وليس كما في أماكن أخرى حيث تحتكر الدراسات الإسلامية من قبل المؤسسات الدينية العقائدية. هذا النهج التونسي لا يلقى لدى الجيران العرب ترحيبا واستحسانا، ففي الآونة الأخيرة هدّد حراس العقيدة في الجامع الأزهر بإخراج تونس من قائمة الدول الإسلامية في حال استمرت في برنامج التحديث الديمقراطي "على حساب الإسلام"، وما إلى ذلك.
وكذلك يبدو الحديث في سورة آل عمران (الآية 110) حول " الأمّة" (خير أمّة) أي الجماعة الصحيحة التي اصطفاها الله، مثلما يفهمها المسلمون. ولكن ترد في قراءة أخرى كلمة "أئمّة"، أي أفضل الدعاة والأئمّة إلى يراهم محمد في أتباعه. وفي هذا الصدد يقول جان فونتان:" الإسلاميون سوف يمارسون ضغوطا".
 
وهكذا أيضا ترى المستشرقة البرلينية الأستاذة أنغيليكا نويفرت، فهي ترى أنّ هذه الطبعة الجديدة ليست مجرّد إنجاز أكاديمي رائد فحسب بل تعتبرها كذلك اختبارا حقيقيا للشجاعة، وتقول:"السلفيون لا يريدون معرفة أنّ للقرآن تاريخا أرضيا"، ثمّ تضيف أنّ آيات العنف على سبيل المثال لم تأت من السماء، بل لها سياق تاريخي محدّد ومن يعرفه فقط هو الذي يفهم القرآن فهما صحيحا. تقول نويفرت:" القرآن ليس كتابا، بل حدث، يحمل آثار النقاشات التي كان يخوضها محمد مع جماعته. هذه الطبعة التونسية تجعل القرآن مقروءا بصورة صحيحة: كـ"مجال لأصداء زمنه".
 
إنّ ما أنجزه الأستاذ عبد المجيد الشرفي، الذي يجسّد شخصيا التواضع وضبط النفس، ليس أكثر من إعادة تعريف مكانة القرآن في الإسلام، ووفقا للأستاذ عبد المجيد الشرفي ومدرسته لتفسير القرآن تفسيرا تاريخيا نقديا فإنّ القرآن في الوقت نفسه هو نتيجة وحي إلهي ومنقول بلغة بشرية، تأثر بشخصية النبي وظروفه المعيشية وبثقافته ومجتمعه، أما الذي ما يزال اليوم ينكر ذلك فهو يفصل الدين عن الحياة، بحسب تعبير الأستاذ عبد المجيد الشرفي.
 
لا يوجد، وفقا للأستاذ عبد المجيد الشرفي، مستقبل للإسلام إلاّ إذا تمّت إعادة قراءة القرآن بالتوافق مع قيم الحداثة واحترام حقوق الإنسان العالمية.
 
 
للقراءة النقدية للقرآن تقليد عريق في تونس. حيث كانت جامعة الزيتونة المؤسّسة في عام سبعمائة وسبعة وثلاثين ميلاديا في قلب مدينة تونس القديمة حتّى إغلاقها من قبل مؤسس الدولة الحبيب بورقيبة مركزا عالميا للإسلام المعتدل وحصنا منيعا ضدّ الوهابية.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : طبعة قرآنية غير مسبوقة إطلاقا في العالم الإسلامي

ما ورد بالمقال أكاذيب وخزعبلات مضحكة ولا يمت ذلك للبحث العلمي بأي صلة هذا عمل حاطب ليل. المضحك أنه ورد في المقال "الأستاذ عبد المجيد الشرفي مسلم متديّن". الرجل يعترف بالحاده وأنتم تودون الصاقه بالإسلام لتبرير ترهاته... كفاكم ضحكا على الذقون.

Mohamed15.04.2018 | 00:56 Uhr

أتساءل ما مدى تقبل المسلمين والعرب بشكل خاص لهذا الموضوع؟ والإجابة معروفة: يرفضونه رفضا أعمى لأنهم مغيبون عقولهم مبرمجة على التقليد.

أسعد سالم19.04.2018 | 16:50 Uhr

الا لعنة الله على الظالمين

جوزيف ماماد22.04.2018 | 00:53 Uhr