المعرض الدولي للكتاب في هرغيسا عاصمة جمهورية أرض الصومال

رابط أدبي بين القارات والثقافات على أرض الصومال

يمثِّل معرض الكتاب في القرن الأفريقي بالنسبة لجمهورية أرض الصومال -الحديثةِ التأسيسِ- ذروة عام 2016 الثقافية: وهو معرض للجميع، يجد فيه الزوار من جميع أنحاء العالم فعاليات تشمل القراءات والنقاشات والحفلات الموسيقية. ميشائيلا ماريا مولَر تجول بموقع قنطرة في أروقة هذا المعرض في العاصمة هرغيسا.

الساعة التاسعة والنصف صباحًا في هرغيسا. أمام قاعة فندق غوليد ازدحام كبير، حيث يقف الزوَّار في طابور عند نقطة التفتيش الأمنية وينتظرون الدخول. نحن هنا في معرض الكتاب في عاصمة جمهورية أرض الصومال.

 وفي داخل القاعة أيضًا أجواءٌ مليئة بالحركة والنشاط. وهذه القاعة مجهَّزة بنحو ثلاثمائة كرسي من الكراسي المُنَجَّدة بقماش لونه أحمر نبيذي والمؤطَّرة بأطر مصبوغة بلون الذهب. وهي تمنح القاعة الفارغة إلاَّ من هذه التجهيزات أجواءً شبه احتفالية.

 الزوَّار الأوائل يتمشَّون ببطء أمام الطاولات المصفوفة والمغطاة بالكتب، أو يتصفَّحون الكتب أو أنَّهم منهمكون في أحاديث خاصة. وهناك زوَّار آخرون يستمتعون قبل الفعالية الأولى بشرب القهوة أو الشاي الصومالي، الذي يعرف أيضًا باسم "تشا". وهنا يتم التعامل بعملتين: الدولار الأمريكي أو الشلن الصومالاندي. وفي هذه الأثناء يتجوَّل صاحب الفندق بين الجمهور ويرحِّب بكلِّ زائر من خلال مصافحته باليد.

 وأوَّل ما يمكن لنا أن نتوقَّعه هنا ليس معرضًا للكتاب. غير أنَّ هذا المعرض بالذات بات في العشرة أعوام الماضية الحدثَ الأبرز في جمهورية أرض الصومال. هذه الدولة واقعة في منطقة القرن الأفريقي وأعلنت استقلالها قبل خمسة وعشرين عامًا عن الصومال، ولكن حتى الآن لم تعترف بها أية دولة آخرى.

 والقليلون فقط يعرفون كيف تسير الأمور في هذه الدولة. الصومالانديّون، مثلما يُسمُّون أنفسهم، فخورون بما حقَّقوه من دون أية مساعدة دولية تقريبًا. ومعرض الكتاب هذا واحد من هذه الإنجازات.

 اللغة والهوية

 والفعالية الأولى في هذا الصباح هي ندوة وحلقة نقاش حول اللغة والهوية. وعلى المنصة يجلس ضيوف من خمسة بلدان مختلفة: كينيا وأثيوبيا وجيبوتي وأرض الصومال وكذلك من بريطانيا.

زينب شرقي ناشرة وتعيش في لندن. ومن بين النقاط التي يركِّز عليها برنامجها كتب تعليم اللغة للأطفال ذوي الأصول الصومالية في الشتات. ومن بين منشوراتها أغاني الأطفال التقليدية المسجلة على أقراص مدمجة، وكتبٌ مصوَّرة أو كتب القواعد والنحو البسيطة.

 وعنوان الكتاب الأكثر مبيعًا لديها جاء من ابنها، مثلما تقول. وهذا الكتاب عنوانه "داده" ، ويعني بالصومالية "اتبعني". وتعلُّم اللغة يعتبر على قدر كبير من الأهمية، وهذا ما يبيِّنه جارها الجالس بجوارها على المنصة، وهو الباحث اللغوي الإنكليزي مارتن أورون، الذي يُدَرِّس اللغتين الصومالية والأمهرية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS في لندن. وحول ذلك يقول: "الكثيرون من طلَّابي لا يتحدَّثون لغاتهم الأمّ بطلاقة، ولهذا السبب يخجلون. وبعضهم يتعرَّضون حتى للسخرية من قبل زملائهم. غير أنَّ اللغة تفتح لهم الباب شيئًا ما على هويَّتهم".

 لقد تم تأسيس معرض الكتاب هذا من قبل أيان محمود التي تعيش في لندن وجامع موسى جامع الذي يعيش في هرغيسا. وهما لا يميلان إلى الحديث بكلمات رنَّانة حول عملهما، الذي يربط القارات والثقافات.

 وضمن هذا السياق تقول أيان محمود: "في نهاية المطاف نحن مهتمون بالجمع بين الأشخاص المناسبين". وهي في الواقع مديرة فعاليَّات، مثلما تخبرنا. ولكن حتى في بريطانيا يعرف الناس أنَّ هذا الوصف متواضع. فقبل فترة قصيرة تم منحها وسام استحقاق من العائلة المالكة، وهو وسام الإمبراطورية البريطانية، تكريمًا لها على عملها.

 مثل إعادة إعمار البلاد

 وبعد انتهاء الندوة وحلقة النقاش يغادر المشاركون المنصة مصحوبين بموجة تصفيق، وفي الوقت نفسه يَرِنُّ هاتف أيان محمود، وتناقش شيئًا ما مع المتصل، بينما تشير للمجموعة بالذهاب إلى الحديقة من أجل تناول المرطبات.

 وهناك في الحديقة توجد عدة سرادق وخيام صغيرة، يقوم فيها النوادل بتجهيز الموائد من أجل طعام الغداء. وبالجوار يتم للتو إعداد كلِّ شيء من أجل مقابلة تلفزيونية. وتتحدَّث في هذه المقابلة وبشكل تلقائي السيِّدةُ الأولى السابقة، إدنا عَدَن التي أسَّست مستشفى يحمل اسمها. وعندما يتعذَّر على المصوِّر الوصول إلى زملائه، تقفز الكاتبة البريطانية نظيفة محمد وتطرح الأسئلة. ومعرض الكتاب هذا يبدو قليلاً مثل إعادة إعمار البلاد. فالجميع يتساعدون.

Edna Adan in the audience at the Hargeisa Book Fair, Somaliland (photo: Kate Stanworth)
"الأم تيريزا المسلمة": بالنسبة لجميع الصومالانديين تُعتبر السيِّدة إدنا عدن قدوةً يُحتذى بها. وبصرف النظر عن مكان ظهورها، يتزاحم الناس حولها. وإدنا عدن كانت زوجة أوَّل رئيس لجمهورية أرض الصومال، وكذلك وزيرة خارجيتها. وفي عام 2002 أسَّست "مستشفى إدنا عدن" في العاصمة هرغيسا، كما أنَّها تعمل من أجل المصالح الاجتماعية.

وقبل فترة غير بعيدة وصفت مجلةُ "هافينغتون بوست" الأمريكيةُ السيِّدةَ إدنا عدن، البالغة من العمر تسعة وسبعين عامًا، بأنَّها "الأم تيريزا المسلمة". ومن المؤكَّد: أنَّها تعتبر بالنسبة لجميع الصومالانديين قدوة يحتذى بها. وبصرف النظر عن مكان ظهورها، يتزاحم الناس حول السيدة إدنا عدن. وفي عام 2002 قامت بتأسيس مستشفى في هرغيسا، اسمه مستشفى إدنا عدن.

 وفي قسم التوليد داخل هذا المستشفى وُلِدَ حتى الآن نحو ثمانية عشر ألف طفل. وبالإضافة إلى ذلك يتم تدريب القابلات والممرِّضات والعاملين في مجال الرعاية الصحية، وتوجد في المستشفى صيدلية خاصة به. وإدنا عدن تستغل علاقاتها الدولية من أجل تحقيق التقدُّم في بلادها. ويشهد على ذلك جدارٌ في مكتبها، تغطيه صور تذكارية، تظهر فيها: إدنا عدن في فترة شبابها خلال تدريبها كممرِّضة في لندن، وكذلك كزوجة أوَّل رئيس لأرض الصومال، وأثناء سفرها كوزيرة للخارجية.

 وتقول متذكِّرة: "كنت واحدة من أولى الفتيات اللواتي تم السماح لهن بالذهاب إلى المدرسة". الأمر الذي لا يزال غير بديهي بالنسبة للكثيرين في بلادها. وعندما يتعلق الأمر بحقوق المرأة، فعندئذ ينكشف الجانب الصارم والصلب لدى إدنا عدن. إذ إنَّ الرجال والنساء متساوون في الحقوق، وهذا الأمر غير قابل للنقاش بالنسبة لها.

 وقبل وقت قصير من صلاة الظهر يعود ببطء الهدوء إلى القاعة. وبعض الضيوف ينسحبون إلى واحدة من الخيام، حيث يتم تقديم طعام الغداء: وهو لحم مسلوق أو مشوي مع الأرز والسلطة، يليه البطيخ الطازج أو كوب من حليب الإبل. وبالنسبة للضيوف الأجانب يعتبر هذا بمثابة اختبار للشجاعة؛ ويجتمع الرأي على أنَّ طعم الحليب يشبه اللحم المُدخَّن.

 الصدمة تجربة مشتركة

 وفي هذا العام حلَّت غانا ضيف شرف على معرض هرغيسا للكتاب. وقد جاء من العاصمة الغانية أكرا كلٌّ من الكاتبة أمَّا داركو والمهندس جو أدّو والصحفية إستير أرماح، التي تحدَّثت في وقت لاحق حول شيء تتقاسمه مع العديد من أبناء أرض الصومال: أي تجربة الصدمة. فعندما اندلعت الحرب الأهلية هناك، أمر الدكتاتور الصومالي محمد سياد بري، بتدمير مدينة هرغيسا. واستمر القصف لأشهر، وقد أودى بحياة نحو ربع مليون شخص.

 في أرض الصومال تغرب الشمس على مدار العام في وقت مبكِّر، تقريبًا في الساعة السادسة مساءً. ولكن بعد ذلك تستيقظ المدينة مرة ثانية: وتتم إضاءة المحلات التجارية والمطاعم، وتمتلئ الشوارع بالناس، الذين يعيدون بناء المدينة. وفي فندق غوليد يقوم المتطوِّعون في الليل بتغطية طاولات الكتب - حتى صباح اليوم التالي.

 

 

ميشائيلا ماريا مولَر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2016

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.