أماكن للموسيقى وإطعام الفقير
 

في رحلتنا إلى القرية، دخلنا منزل الشيخ الرئيسي للتعرّف على هندسته، وجدنا فيها أنه راعى احتياجات الناس في العلم والطعام وحتى الموسيقى. بيته عبارة عن مساحة كبيرة مقسم على جزأين، قسم خاص بالشيخ ويسمى "الدورية" وقسم آخر خاص بالضيوف وإطعام الفقراء والمحتاجين يفصل بينهما مطبخاً.

في قسم الشيخ، خُصّصت غرفة لإعطاء الدروس ملحقة بطابق ثاني مفتوحاً على أشكال أقواس ومطلاً على البهو أو قاعة الدروس، وكان مخصصاً للنساء والفتيات حتى يجلسن ويستمعن للدروس حيث كان الاختلاط غير مقبول بداعي احترام الطرفين، أما في قسم الضيف بُنيت غرف الضيوف بجوار بعضها مع ساحة خُصّصت لغناء "الأحواش" أو لحظات "البسط"، بحيث كانت النساء يطللن من السطح وينثرن الحبق أو الورد على مغنيي "الأحواش" (عادة ما تُغنى الأذكار ومدح الرسول باستخدام البندير)، لكنّ المنزل تعرّض للإهمال بسبب أمور تتعلّق بالإرث والورثة.

يعمل أهل القرية بالفلاحة بحكم وقوع القرية في نطاق واحة طاطا، وتتوفر حالياً على الخدمات الرئيسية مثل الماء والكهرباء ومدارس، وتوفرت لهم مشاهدة التلفاز في الثمانينات عندما كان رجل يجلب الأشرطة المسجلة ويبثها أسبوعياً لتلفزة المنطقة.

تقوم النساء في أكادير الهنا بأعمال شاقة داخل وخارج المنزل، نقل الحشائش يومياً من الحقول في السهول إلى أعلى تعتبر حملاً ثقيلاً. الصورة: وصال الشيخ
رغم توفر الخدمات والبنية التحتية للتعليم؛ عادة ما ينتهي الأمر بالفتيات بالزواج والعمل كربّات منزل بالإضافة إلى العمل في الحقول. الصورة: وصال الشيخ

أما الماء دخل عن طريق جمعية "زمزم" بينما كانت النساء قديماً يُنظمنَ خرجات لجلب الماء بشكل جماعيّ يومياً ثلاث مرّات يحملنه فوق ظهورهنّ ويصعدن به الأزقة، وكانت الأوعية إما نحاسية أو طينية، وعادة ما تخرج النساء بلباس أزرق وغطاء أسود لجلب الماء أو الحشائش من الحقول.

البناء الإيكولوجي: طين ونخيل
 

قرية "أكادير لِهنا" هي مثال للشكل الهندسيّ القديم للقرى الذي ساد على امتداد الواحات وتُسمّى القرية بـ"لِقْصر" أو "أمغار" بالأمازيغية وتحاط عادة بسور وتُبنى من الطين وخشب النخيل، ورغم أنه أصبح بناءَ هشّاً اليوم إلّا أنه ما يزال يقدّم أجوبة على مشاكل المناخ والاقتصاد واستهلاك الطاقات. دروبها وبيوتها وأسقفها وأبوابها تشكلت من الطين والشجر.

ورسماً لذلك، بُنيت الأزقة على شكل دروب متقاطعة طولاً وعرضاً، أما الأحياء بُنيت وفق القرب من بيت الشيخ على شكل دائرة. أولاً منزل الشيخ وزوجاته، الحي التالي هم أولاده، يلحقه أحفاده، والتالي للأقارب، الحي الرابع للغرباء وهكذا، في دلالة على تجذير العلاقات الاجتماعية ودور الزاوية والدين والعلم بالمنطقة.

كل باب رئيسيّ لزقاق معيّن بُني له قوس، وسُقفت الدروب بخشب النخيل والقصب والجريد حماية من حرارة الصيف القائظة، وطالما أن البيوت بنيت بالتسلسل من القاع صعوداً إلى القمة وبالالتفاف حولها، كانت مصارف ماء الشتاء تخرج من بيت إلى آخر حتى لا تفيض المياه في بيت أحدهم وتتسبب في هدمه.

يُرّجح أن القرية بُنيت في القرن الخامس هجريّ حسب المحمديّ، وتقديراً لحاجات الإنسان الاجتماعية والنفسية وُضعت في الأزقة حجارة مستطيلة تشبه مقاعد الجلوس وأجدت بذلك مكاناً لالتقاء الناس وتبادل الأخبار والأحاديث، من الأزقة ما كان مخصص للرجال وسُميّ بـ" نيركاسن"، ودرب للنساء أتى مقابلاً للمصلى الخاص بهنّ لمنحهنّ مجالاً أوسع من الحرية، وإلى جانب العلم ساهم الطلبة أو التلاميذ ببناء بعض الأزقة عندما كانوا يتعلّمون عند الشيخ أحمد بن محمد الطاطي مؤسسة الزاوية التيجانية بالقرية، ولم تختلف طريقة هذه الأخيرة مع "آيت الحساين" من حيث المبدأ أو الطريقة، اثنتاهما تقدمان الولاء للعلم والدين.

سُمي درب الزاوية الرئيسيّ بـ"أوفولّا"، ويتصل ببابين، أحدهما رئيسي ومشترك لجميع أهل القرية والآخر خاص بدار الشيخ وعائلته المقربة. كما شملت القرية على بيوت خاصة بالفقهاء والعلماء "الطُلَبَة" المتزوجين من عائلة الشيخ والخادمين لعلمه ورسالته.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.