المغرب - ألبوم "نايضة" لفرقة "باب لبلوز"...رمز صحوة فكرية

موسيقى روك مغربية فرانكفونية تُراقِص رمل الصحراء

فرقة "باب لبلوز" المغربية الفرانكفونية تغني نمط أغاني البلوز الأفريقية برشاقة، أطلقت على أول ألبوم لها اسم "نايضة"، وهو نفس اسم حركة موسيقية في المغرب ناشئة، ويعني في الدارجة المغربية "الحفلة" وكذلك يرمز إلى "الصحوة الفكرية"، كما تقول المغنية الرئيسية في هذه الفرقة. الصحفي الألماني المتخصص بالموسيقى شتيفان فرانتسِن يستعرض لموقع قنطرة هذه التشكيلة الموسيقية الفريدة.

"نايضة" مصطلح راسخ في الثقافة المغربية على الأقل منذ مطلع الألفية الجديدة. في تلك الفترة انتقل المُلك من الملك السلطوي الحسن الثاني، الذي كان يسجن معارضيه ويتركهم يتهالكون في داخل سجونه، إلى ابنه وولي عهده الأكثر اعتدالًا الملك محمد السادس؛ وقد أدَّى هذا التغيير في داخل الأسرة المالكة إلى تحرير المجتمع.

وقدَّم أيضًا دفعةً كبيرة للمشهد الموسيقي: اتَّحد مغنو الراب والهارد روك وموسيقيو الجاز في حركة نايضة الفنية، وأصبح ثمة ظهور موسيقي للأقليات مثل الأمازيغ، ومثل الكناوة وهم أحفاد العبيد السابقين الذين جلبهم المغاربة من إفريقيا السوداء جنوب الصحراء الكبرى.

"نايضة" تعني في الدارجة المغربية العربية "الحفلة" -من ناحية- ومن ناحية أخرى ترمز إلى الصحوة الفكرية: إلى تبنِّي موقف مستقيم وعدم السير ببساطة خلف قطيع الخِراف، مثلما تقول يسرى منصور، المغنِّية الرئيسية في فرقة باب لبلوز.

نشأت هذه المغنِّية المفعمة بالنشاط في روح حركة "نايضة" التحرُّرية. وحتى والداها كانا يستمعان إلى مزيج من المغنِّي ليد زيبلين ومايكل جاكسون والموسيقى العربية الأندلسية الكلاسيكية. في كلّ عام كانت تذهب إلى مدينة الصويرة للمساعدة ضمن فريق في مهرجان كناوة المعروف عالميًا.

فرقة ثلاثية في روح فرقة جيمي هندريكس

في حوار مع موقع قنطرة قالت: "هذه الموسيقى أسَرَتْني أكثر وأكثر". وهذا ليس مفاجئًا إذا نظرنا إلى طقوس التعويذات الراقصة، التي تُميِّز موسيقى الكناوة. تقول يسرى منصور: "بدأت في عام 2017 العزف على آلة الكمبري، وهي آلة باص وَتَرِيَّة خاصة بالكناوة، وقد طُلب مني المشاركة في مشروع كناوة جاز في مراكش".

 

 

وهناك تعرفت إلى الفرنسي بريس بوتِن، وشكَّلت بالتعاون معه ومع قارع الطبول حفيظ زواوي وعازف الفلوت جيروم بارتولوم فرقة باب لبلوز الرباعية.

تشرح يسرى منصور مزيج أساليبهم الموسيقية بقولها: "نحن ننظر إلى أنفسنا كثلاثي طاقة مُوَسَّع، في روح فرقة جيمي هندريكس [عازف بلوز وروك أمريكي شهير من أصل أفريقي (1942 - 1970)]. الطاقة الأساسية هي موسيقى الروك، ولكن لدينا مكوِّنات إضافية من المناطق المغربية، من موسيقى الكناوة والبربر، ومن شعر (اللهجة) الحسانية في موريتانيا". أمَّا كلمة "باب لبلوز" فتعني بوابة البلوز، وهذا بالطبع يشير إلى نمط أغاني البلوز الأفريقي، الذي يعتبر أقدم بكثير من شقيقه الأمريكي.

يشعر المرء عند سماعه ألبوم نايضة بالانجذاب إلى هذا العمل، مثلًا في أغنية القمر "الكمرة" المليئة بالنشوة أو في أغنية "إلى متى" ذات التأثير المُنشِّط. ففرقة باب لبلوز تبرز بشكل رشيق من بين فرق البلوز الصحراوية الكثيرة، التي غالبًا ما تكون بطيئة وتدور دائمًا وأبدًا حول أسلوب خماسي النغمات.

وهذا يعود إلى المزج بين آلتي الكمبري والعويشة Awicha الأصغر، التي يتم ضبطها بأوكتاف أعلى. الآلتان تقومان بدور الباص الكهربائي والغيتار الكهربائي، ولكن يبدو صوتهما أكثر خشونة وجفافًا. تضيف إلى ذلك يسرى منصور صوتها الغنائي، وتحوم من حولها أكاليل صوت الفلوت الدخانية.

بعض الانفصام في الشخصية

تضحك يسرى منصور وهي تقول: "يمكنك أن تسمع في الألبوم بعض الانفصام في الشخصية. فنحن نقوم بإعداد المواد الخام في مدينة ليون الحديثة، وطننا الثاني، ولكن تصميم الأغاني يتم في مراكش، المدينة التقليدية والسياحية للغاية".

تعتبر مراكش، بمزيجها المُحيِّر المكوَّن من مجموعات عرقية وأصوات وروائح كثيرة، أيضًا "بوابة إلى الصحراء"، كما أنَّ رياح الصحراء تهبُّ عليها باستمرار في أغاني فرقة باب لبلوز.

تقول يسرى منصور: "أنا أُقدِّر كثيرًا الثقافة الحسانية في موريتانيا. في الألبوم أغنية مأخوذة من شعر التبراع الخاص بالنساء الموريتانيات، اللواتي يعشن في مجتمع أبوي ذكوري محافظ وطوَّرن شعرهن الغرامي الخاص بهن والمُحَمَّل برسائل حبّ سرية إلى العزيزين عليهن".

وبحسب رأي يسرى منصور فقد حصلت المرأة بشكل عام في الأعوام الأخيرة على مكانها في صناعة الموسيقى المغربية. ولكن في جميع القضايا الأخرى تراجعت قيادة الدولة مرة أخرى إلى الخلف على الرغم من جميع عمليات تحسين صورتها باتِّجاه أوروبا.

 

 

إرث حركة نايضة الموسيقي الجامح

صحيح أنَّ الملك محمد السادس، الذي يعتبر شخصًا تصالحيًا، استطاع أن يبقي الاحتجاجات تحت السيطرة من خلال الإصلاحات الدستورية في فترة "الربيع العربي" عام 2011 ، ولكن تشكَّلت منذ عام 2016 روحُ مقاومة جديدة في حركة "الحراك الشعبي" - وذلك ردًّا على قمع الأمازيغ في جبال الريف وعنف الشرطة والفساد والتضييق على الصحافة الناقدة للحكومة وحتى اعتقال الناشطين والصحفيين.

تعبِّر عن ذلك يسرى منصور بحذر: "لا أحد يمنع التعبير عن الحرِّية الفنية في المغرب. يستطيع المرء دائمًا التعبير بأدب عن غضبه، ولكن التحريض على العنف ممنوع بطبيعة الحال". وتشير إلى أنَّه لا توجد دولة في العالم خالية من آليات التلاعب. ولذلك يجب في فرقة باب لبلوز أن نفهم إرث حركة نايضة الجامح بمعنى موسيقي وليس سياسيًا.

وهكذا فإنَّ كلمات أغنيتها الفردية "إلى متى" لا تنطبق اليوم فقط - بحسب تعبيرها - على المغرب: "لقد نما الخوف في داخلنا وباتت أدمغتنا سجينة وأصبح يتم تجريم خلافاتنا. إلى متى يستمر الظلم؟ وإلى متى يستمر تمجيد العنف؟".

 

 

شتيفان فرانتسن

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة