"العامية المغربية ليست لغة، وليست لها قواعد، هي مزيج من مفردات من كشكول لغات"

وبعيدا عن هذا الاصطفاف، ثمّة عدة ملاحظات لا بد من تسجيلها لفهم خلفيات قرار إدماج اللهجة المغربية العامية في مقرّرات دراسية، وتوقيت القرار وتداعياته، وربما أهدافه الكامنة وغير المعلن عنها.

أولا، لم يناقش القرار داخل البرلمان، ولم يقرّه مجلس وزاري برئاسة الملك، كما لم يصادق عليه مجلس الحكومة، بل تبرّأ رئيس الحكومة منه، وطلب من وزير التربية والتعليم أن يقدّم توضيحاته للرأي العام، ووعد بمراجعة المقرّرات الدراسية التي سيثبت أن تعابير أو كلمات دارجة أدمجت فيها، على حين غرة، وفي غفلة من الجميع، فالقرار لم يطرح للنقاش العمومي، ولم يُستشر فيه المختصون والخبراء، وإنما تم تهريبه بليل!

ثانيا، الدستور المغربي ينصّ على أن اللغة الرسمية في المغرب هي اللغة العربية، ويعتبر اللغة الأمازيغية لغة وطنية، ولا وجود فيه لذكر اللهجة العامية. لكن الواقع شيء آخر، لأن كلتا اللغتين العربية والأمازيغية (واللهجة العامية) تتراجعان في الواقع أمام سطوة اللغة الفرنسية التي تهيمن على مجالات المال والأعمال والإدارة والإعلام.

ثالثا، النقاش الذي يثيره اليوم القرار الذي يُراد فرضه عن طريق الأمر الواقع، يركز فقط على الجانب اللغوي والبيداغوجي، ويغفل ما هو أهم، أي الخلفيات السياسية والإيديولوجية لهذا القرار الذي لا يمكن أن يكون بريئا.

رابعا، الاصطفاف الذي يريده بعض المنافحين عن اللغة العربية الفصحى والمدافعين عن العامية المغربية نقاش مغلوط، يهدف إلى التمويه وصرف الانتباه عن النقاش الجوهري بشأن خلفيات القرار وأبعاده السياسية والفكرية والإيديولوجية، لأن اللغة العربية والعامية المغربية تتعايشان منذ قرون، والعامية المغربية تستقي مرجعية أغلب مفردات قاموسها من اللغة العربية. وكلاهما تعرفان التهميش نفسه أمام سطوة اللغة الفرنسية.

خامسا، الاستنجاد بالعامية المغربية لإنقاذ التعليم المغربي من حالة الإفلاس التي يعيشها لن يزيد سوى في تكريس الأزمة وتعميقها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالعامية المغربية ليست لغة، وليست لها قواعد تنظمها، وهي مزيج من المفردات المستقاة من كشكولٍ من اللغات التي تعامل أو يتعامل بها المغاربة. وعدا عن أنها لهجة متحرّكة تتغيّر مفرداتها وتعابيرها بسرعة، فهي ليست لهجة موحدة في المغرب، وإنما هناك لهجات مغربية تختلف من منطقةٍ إلى أخرى.

سادسا، ليست اللهجة المغربية طارئة على التعليم في المغرب، فهي حاضرةٌ إلى جانب العربية والفرنسية واللغات الأخرى، عندما يُستعان بها في الشرح أو النقاش، وعندما تستعمل لغة تواصل يومي داخل الفصول والمدارس والمعاهد والجامعات.

سابعا، الذين ينتقدون قصور اللغة العربية، ويصمونها بالتخلف والتعقيد وعدم مواكبة تطور العصر، هم أنفسهم أشد المدافعين عن صيانة اللغة الفرنسية، أكثر من أهلها وفي بلدها، والحريصون على نقاء أسلوبها واحترام نحوها وصرفها وإملائها ونطق مخارج حروفها!

ثامنا، استهداف اللغة العربية، لا يعود فقط إلى صرامة قواعدها، وإنما إلى ما تحمله من قيم. فاللغة، في حد ذاتها، ليست وعاءً فارغا، وإنما هي حمّالة فكر ومرآة للحضارة والثقافة والهوية. ومن يستهدفها إنما يوجّه سيف نقده إلى كل ما تمثله من قيم وفكر وحضارة وتاريخ وهوية.

تاسعا، عندما أقر المغرب سياسة التعريب، في بداية استقلاله عن فرنسا، بداية منتصف القرن الماضي، كان الهدف المعلن عنه هو رد الاعتبار للغة العربية، ومحاربة هيمنة الفرنسية

باعتبارها إرثا استعماريا تجب تصفيته، لكن ما اتضح بعد مرور عقود طويلة من سياسة التعريب هو تقوية اللغة الفرنسية التي بقيت لغة النخبة، وتعميم اللغة العربية على باقي أفراد المجتمع نوعا من الحاجز الفاصل داخل بنيان طبقي، يكرّس تفوق النخبة المفرنسة على باقي أفراد الشعب المعرّب، أو الأمازيغي، أو الدارج على حد سواء. لكن بعد فتح الباب أمام جزء من الحركة الإسلامية للمشاركة في الحياة السياسية، سينقلب السحر على الساحر، فقاعدة الإسلاميين من حملة قيم اللغة العربية، وفكرها وتراثها، وهي التي تعلموا وقرأوا بها، وبالتالي أصبحت العربية، في نظر خصوم الإسلاميين، هدفا استراتيجيا لوقف المد الإسلامي على المدى الطويل، من خلال استهداف مناهج التعليم التي تستعمل لغة تسهّل ترويج قيمهم وفكرهم وإيديولوجيتهم.

عاشرا، قبل خمس سنوات، قال المفكر المغربي عبد الله العروي، مدافعا عن العربية، إن اعتماد "الدارجة" للتعلم في المغرب سيؤدي إلى تقوقع المغربي على نفسه داخل جزيرة اسمها المغرب، وأكثر من ذلك سيؤدي إلى التفريط في تراثٍ عمرُه مئات القرون، ويشترك فيه ثلاثمائة مليون ناطقة وناطق بلغة الضاد التي تطوّر نفسها يوميا لتنافس اللغات العالمية. وعلى المستوى الاجتماعي، قال المؤرخ المغربي محذّرا: النتيجة ستكون إنتاج يد عاملة رخيصة وأمية فكرية خاضعة، لأنها لن تتعلم إلا ما سيجعلها يدا طيّعة عند مشغّلها!

 

علي أنوزلا

صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.