فاطمة صديقي باحثة مغربية .

المغرب
نسويات علمانيات وإسلاميات: معًا من أجل حقوق المرأة

ترى الباحثة المغربية فاطمة صديقي أن نسويات شمال إفريقيا أصبحن من جميع شرائح المجتمع يكفاحن من أجل حقوقهن. حاورتها الصحفية الألمانية كلاوديا مينده لموقع قنطرة.

السيِّدة فاطمة صديقي، لقد تغيَّرت بعد عام 2011 موضوعات الحركات النسوية العربية، وباتت الأسئلة المتعلقة بجسم المرأة تحتل مكان الصدارة اليوم. برأيك، ما هو السبب؟

فاطمة صديقي: الكثير من المحرَّمات السابقة حول جسم النساء لم تعد من المحرَّمات اليوم. وتغيَّرت كذلك الحركة النسوية نفسها ولم تعد اليوم حركة بالمعنى التقليدي. فقد بات تَوَجُّهُها محليًا أكثر وزاد تركيزها على مشكلات محدَّدة مثل العنف المنزلي والتحرُّش الجنسي في مكان العمل أو عدم المساواة في قضايا الميراث. فاليوم أصبح الكثير يحدث على مستوى القاعدة.

 

هل يعني هذا أيضًا أنَّ تلك الحركة النسوية العربية لم تعد موجودة؟

فاطمة صديقي: الحركة تنقسم في الواقع إلى أصناف. فبعض النساء يتوجَّهن نحو النسوية الإسلامية ويركِّزن اهتمامهن على النصوص المقدَّسة والقضايا الرئيسية المتعلقة بحقوق المرأة في الإسلام. ويُفسِّرن النصوص القرآنية من وجهة نظر أنثوية وبشكل علني، مثلًا في تونس والجزائر والمغرب أو مصر. إذ توجد اليوم وجهة نظر جديدة لموضوع الإسلام وحقوق المرأة.

والنساء في ذلك غير مهتمات بالدفاع عن الدين بقدر اهتمامهن بمهاجمة آخر معاقل نظام الأبوية الذكورية. وذلك لأنَّ القوانين الوحيدة المستندة حتى يومنا هذا في مجتمعاتنا على الإسلام مختصرة في قانون الأسرة. والنسويَّات الإسلاميَّات يتحدين التشريعات الإسلامية لأنَّ تدوينها يتم فقط من منظور ذكوري.

 

ولكن برأيك أليست النسوية الإسلامية هي على الأرجح مسألة أكاديمية؟

فاطمة صديقي: نعم ولا. ففي الثمانينيَّات والتسعينيَّات، كانت الحركات النسوية ذات توجُّهات علمانية، ولكن منذ عام 1990، بات يوجد تقارب بين النسويَّات "العلمانيَّات" وَ "الإسلاميَّات"، وذلك بسبب زيادة الوعي بأنَّ المجموعتين تريدان الشيء نفسه، أي أن يكون وضع النساء جيِّدًا.

وهذا يعود أيضًا إلى التحوُّلات السياسية، التي حدثت منذ ذلك الحين. فالأصوات الإسلامية والعلمانية تحاول اليوم بشكل متزايد إيجاد أساس مشترك تتصدَّره الحقوق المدنية. لقد ازداد إدراك المدافعات العلمانيَّات عن حقوق المرأة أنَّ الدين لا يمكن تنحيته ببساطة، لأنَّه جزء من الحياة. والتقارب بين كلا المعسكرين جمع بين مختلف النساء، بين المثقَّفات والناشطات.

 

"الحجاب يفقد حدَّته كعلامة مميِّزة"

 

أَلم تعد تفصلهما رواية "العلمانية مقابل الإسلامية"؟

فاطمة صديقي: تكافح اليوم النساء المحجَّبات وغير المحجَّبات سويةً من أجل المزيد من الحقوق. وفي المغرب بشكل خاص، يفقد الحجاب حدَّته كعلامة مميِّزة. وتبرز في المقدِّمة موضوعات أخرى، مثلًا المطالبة بقانون إرث عادل. وهذا يمثِّل تحدِّيًا للحرس الديني القديم. ولكن حتى الفقهاء تغيَّروا أيضًا، وبات يوجد اليوم فقهاء إسلاميون منفتوحون بمعنى الكلمة، يشاركون في النقاشات وتتم مهاجمتهم من قِبَل الأوساط المحافظة.

وهذه التطوُّرات تجمع بين نساء من مختلف التوجُّهات. وهذا لا يعني أنَّ النساء العلمانيَّات والإسلاميَّات رأيهن متطابق في جميع القضايا. ولكنهن أقلّ عداوةً وأكثر براغماتيةً فيما بينهن: دَعُونَا نتشارك في معالجة المشكلات. نحن أصبحنا أكثر نضجًا. العواطف والإيديولوجيات أصبحت أقل وهذا جيِّد.

 

امرأتان مغربيتان في مكان عام. Marokkanische Frauen im öffentlichen Raum: (Foto: Picture-alliance/imagebroker)
نسويات علمانيات وإسلاميات يكافحن معا من أجل المساواة: "تكافح اليوم النساء المحجَّبات وغير المحجَّبات سويةً من أجل المزيد من الحقوق. وهذا لا يعني أنَّ النساء العلمانيَّات والإسلاميَّات رأيهن متطابق في جميع القضايا. ولكنهن أقلّ عداوةً وأكثر براغماتيةً فيما بينهن: دعونا نتشارك في معالجة المشكلات. نحن أصبحنا أكثر نضجًا. العواطف والإيديولوجيات أصبحت أقل وهذا جيِّد"، مثلما تقول الدكتورة فاطمة صديقي، أستاذة علم اللسانيات ودراسات النوع الاجتماعي بجامعة فاس في المغرب.

 

من المعروف أنَّ النساء العربيات أصبحن منذ عشرة أعوام أكثر وضوحًا في العمل والحياة العامة. ولكن في الوقت نفسه، ازداد العنف ضدَّ المرأة والتحرُّش الجنسي أكثر من السابق في جميع أنحاء شمال إفريقيا. فكيف تفسِّرين ذلك؟

فاطمة صديقي: أرى هنا علاقة بارتفاع نسبة البطالة عن العمل بين الرجال. ففي مجتمع يُنظر فيه إلى الرجل باعتباره هو المعيل للأسرة، يتعرَّض الرجال لضغط كبير: فالرجل يجب عليه تأمين المال للأسرة. وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ النظام الأبوي الذكوري لدينا واضح المعالم في الفضاء العام وقد استوعبنا ذلك في أنفسنا منذ قرون: الفضاء العام هو فضاء خاص بالرجال.

ومع زيادة دخول النساء إلى الفضاء العام، ازداد في البدء التحرُّش الجنسي. ولكن نحن لدينا اليوم أيضًا في شمال إفريقيا المزيد والمزيد من القوانين، التي تهدف إلى حماية النساء من العنف. طبعًا هناك عقلية محافظة تقف بين القانون وتنفيذه، ولذلك سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى تتغيَّر الأشياء تغيُّرًا جذريًا. ولكن الوعي العام بهذه المشكلة أقوى بكثير اليوم.

 

النساء من الجيل الأصغر سنًا يقلن إنَّهن سيقمن بإبلاغ الشرطة اليوم عند التعرُّض لحوادث. من الممكن أن يكون ذلك في الواقع تغييرًا كبيرًا. بينما لم تكن أمَّهاتهن يجرُؤْنَ على فعل ذلك.

فاطمة صديقي: لا يزال من الصعب جدًا على المرأة الإبلاغ مثلًا عن التعرُّض لاغتصاب، لأنَّها تُجسِّد شرف العائلة. وهذا لا يزال راسخًا في رؤوسنا. ومن الممكن أن يطلقها زوجها أو يمكن أن يتم احتقار أبيها وإخوتها. ولكن توجد الآن نساء يذهبن إلى الشرطة، غير أنَّهن يبلغن في معظم الحالات عن الجناة بشرط عدم الكشف عن هويَّتهن. وعلى أية حال فنحن نتحدَّث الآن حول ذلك. وهذا التغيير يأتي من الداخل. نحن لا نرفض القيم الغربية، ولكن يجب علينا أن نسلك طريقنا الخاص.

 

إذًا لقد تحسَّن جزئيًا وضع المرأة في المراكز الحضرية، ولكن كيف يبدو وضعها في المناطق الريفية، التي غالبًا ما تكون الظروف المعيشة فيها أسوأ بكثير؟

فاطمة صديقي: هذا صحيح. لقد كان إهمال المناطق الريفية أحد الأسباب لما يسمى بالربيع العربي. وحتى اليوم، توجد لدينا مثلًا في المغرب نسبة مرتفعة من الأُمية في المناطق الريفية. وحتى المسؤولون سياسيًا يعترفون بوقوع أخطاء بعد الاستقلال. وحتى الآن، توجد في المغرب أماكن تعيش فيها النساء في ظلِّ ظروف مثيرة للشفقة. توجد قرى من دون كهرباء، حيث تضطر النساء إلى جلب الماء من مناطق بعيدة وحمله على ظهورهن.

وأنا أعرف عن ماذا أتحدَّث، فأنا نفسي نشأتُ وكبرتُ في منطقة ريفية. وهذه قرًى ليست من المغرب الذي تشاهدونه في المدن. نحن بحاجة هنا إلى بذل جهود أكثر. صحيح أنَّ الإرادة السياسية موجودة اليوم، ولكن التقدُّم يسير ببطء شديد.

 

"نحن لم نفعل الكثير من أجل النساء في المناطق الريفية"

 

هل أغفلت أيضًا الحركاتُ النسوية العربية مصالحَ النساء في المناطق الريفية لفترة طويلة جدًا؟

فاطمة صديقي: الحركات النسوية يجب أن تمنح النساء في المناطق الريفية على أية حال المزيد من الاهتمام. أنا أنتمي للحركة النسوية منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ويجب عليّ أن أقول إنَّنا لم نفعل الكثير من أجل هؤلاء النساء. غير أنَّني أرى منذ عام 2011 قفزةً كبيرة إلى الأمام.

 

يُضاف إلى ذلك في المغرب المُكوِّن العرقي أيضًا. فالكثير من النساء في المناطق الريفية أمازيغ (بربر)، ويتعرَّضن بالتالي لتمييز مضاعف. فهل تُسمع أصواتهن أفضل اليوم؟

فاطمة صديقي: في عام 2011، تم الاعتراف رسميًا باللغات الأمازيغية في الدستور المغربي الجديد. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أصوات النساء الأمازيغيَّات تصل إلى الرأي العام، وقبل ذلك كان يمكن سماع أصواتهن في بيئة خاصة فقط. ومن الناحية التاريخية، كانت النساء الأمازيغيات ملكات ومُحاربات.

وبعد وصول الإسلام، تم الحفاظ فقط في المجال الخاص على الكثير من ممارساتهن الثقافية، التي يمكن رؤيتها في الفنّ وفي الرسم على الجسد وكذلك في الشعر واللغة. ولكن المشكلة لا تكمن في الإسلام كدين، بل في النظام الأبوي الذكوري، الذي جاء مع الإسلام.

كيف تجعل النساء الأمازيغيَّات أصواتهن مسموعة اليوم؟

فاطمة صديقي: توجد اليوم في المغرب نحو أحد عشر منظمة غير حكومية نسوية خاصة بالنساء الأمازيغيَّات. وهذه المنظمات تطالب مثلًا بمساحة أوسع لحياة النساء في الكتب المدرسية، وبالمزيد من الاحترام والتقدير لثقافتهن وبفرص تعليم أفضل للفتيات والنساء.

والمنظمات غير الحكومية الأمازيغية في المناطق الريفية تعتبر أقرب إلى النساء، اللواتي يحتجن قبل كلِّ شيء إلى بنية تحتية أساسية مثل وجود خدمات رعاية صحية أفضل، وهذه المنظمات تعرف الواقع هناك معرفة أفضل. وفي المقابل تعتبر المنظمات غير الحكومية في المدن أقرب إلى مراكز السلطة السياسية، وهي تركِّز اهتمامها بشكل أساسي على حضورها في الخطابات العمومية.

 

نساء على شاطئ عربي.  VAE Symbolbild Zukunft der Frauen
كفاح نسويات علمانيات وإسلاميات سويةً: ترى أستاذة اللسانيات ودراسات النوع الاجتماعي المغربية فاطمة صديقي أن الحركات النسوية في شمال إفريقيا تغيرت خلال العشرة أعوام الماضية، فاليوم، تكافح النساء من جميع الشرائح الاجتماعية سوية من أجل المزيد من الحقوق - سواء كن من النسويات "العلمانيات" أو "الإسلاميات".

 

أنت نفسك منحدرة من عائلة أمازيغية وقد نشأتِ وكبرتِ في منطقة ريفية. فهل تمثِّلين بذلك ظاهرة استثنائة داخل الحركة النسوية؟ لا سيما وأنَّ النسويات العربيات كن لفترة طويلة ينحدرن على الأغلب من الطبقة العليا الحضرية.

فاطمة صديقي: هذا ينطبق على الجيل الأوَّل من النسويَّات، على الرائدات في سبعينيَّات القرن العشرين. ولكن منذ الثمانينيَّات والتسعينيَّات زادت مشاركة حتى النساء المنحدرات من المناطق الريفية أيضًا. نساءٌ، على سبيل المثال، كان آباؤهن في الجيش، مثل والدي. وهذه الأُسر كثيرًا ما كانت تنتقل بالتالي إلى المدينة ولم تكن تستطيع في البداية الانسجامَ وتدبُّرَ أمورها هناك. وبالنسبة لهذه الأُسَر فقد كان التعليم الأفضل هو السبيل الوحيد من أجل الارتقاء في المجتمع، وحتى بالنسبة لبناتهن.

ولكن النسويَّات المنحدرات في الأصل من المناطق الريفية لم يتطرَّقن لموضوع أصلهن في الخطاب النسوي. توجد اليوم نسويات جريئات للغاية من خلفية أمازيغية، ولكنهن قليلات في الأوساط الأكاديمية. ونحن بحاجة إلى المزيد منهن.

 

 

حاورتها: كلاوديا مينده

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

فاطمة صديقي أستاذة علم اللسانيات ودراسات النوع الاجتماعي بجامعة فاس في المغرب.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة