هل ترى علامات إحياء للدين في أي مكان؟

موسى: نجد علماء مسلمين ممتازين في دول مثل لبنان، حيث يوجد مجتمع متعدد الأديان مبني على التفاهم المتبادل، بما في ذلك بين الشيعة والسنة والطوائف المسيحية المتعددة والتيارات العلمانية. علوم اللاهوت التي تعزز الكرامة الإنسانية تنشر الأمل وتمنح الفرص.

في لبنان وإندونيسيا وبين الأقليات المسلمة في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة، على سبيل المثال، بدأت علوم لاهوت جديدة تنبثق. الفضاء السياسي الذي سمح بالتعبير عن أفكار جديدة مهم للاجتهاد اللاهوتي. أنت بحاجة إلى حرية التعبير كي تمنع علماء الدين من شن حملات ديماغوجية على خصومهم الفكريين أو أن يطالبوا الحكومة بالزج بخصومهم في السجن.

تاريخياً، تميز اللاهوت الإسلامي بالتنوع. أما اليوم فيبدو أن ذلك التنوع مفقود.

 

شاب يقود دراجته النارية وخلفه امرأة وعلى الحائط رمز تنظيم "الدولة الإسلامية" إندونيسيا.  (photo: picture-alliance/AP)
غرباء عن ماضيهم: يؤكد موسى أن "علينا أن ندرس الماضي لنكتشف دروس التنوع العظيمة، بدلاً من الاعتماد على النسخ الأحادية المبسطة والواهية للغاية التي تتنكر في صورة لاهوت إسلامي اليوم. هذا أكبر تحد للأغلبية والأقليات المسلمة على حد سواء".

 

موسى: هذه إحدى أكبر مآسي الإسلام المعاصر! التنوع الذي كان في يوم ما واضحاً في المجتمعات المسلمة بات مفقوداً، ولكننا بحاجة ماسة إليه اليوم. جزء من المشكلة أن المسلمين أصبحوا غرباء عن ماضيهم. يجب علينا دراسة الماضي لنكتشف دروس التنوع العظيمة، بدلاً من الاعتماد على النسخ الأحادية والمبسطة والواهية للغاية التي تتنكر في زي اللاهوت الإسلامي اليوم. هذا أكبر تحد للأغلبية المسلمة وللأقليات المسلمة أيضاً.

ماذا لو ذهب الرئيس المصري السيسي إلى الأزهر وطالبه بإصلاحات...

موسى: طلبات الإصلاح هذه لن يكون لها جاذبية على المدى الطويل. بعض علماء الدين قد يوافقون، ولكن الإصلاحات ستبقى سطحية وغير عضوية.

أولاً يجب على السيسي أن يصلح نفسه لأنه طاغية. ولكنه ليس أول زعيم يتصرف بهذا الشكل. جمال عبد الناصر حول الأزهر إلى أداة من أدوات الدولة. لا توجد حرية أكاديمية مضمونة للأزهر. كما أن كل ما يقوله علماء الدين في مصر اليوم يمكن أن يستخدم ضدهم. الحرية السياسية شرط مسبق للإصلاح الديني الشامل، لأنها تسمح بنقاش مدى أوسع من الأفكار.

المجالان الخاص والسياسي مترابطان في الإسلام. لماذا يصعب الفصل بينهما؟ ما هو موقفك تجاه العلمانية؟

موسى: لا يوجد لدي موقف ثابت في هذا الصدد. أعتقد أن فكرة الفصل بين المجالين إلى العلماني والديني هي خيال إدراكي مفيد. إنها خيال سياسي انبثق عن الصراع الأوروبي الفريد من نوعه للفصل بين سلطة الكنيسة وسلطة الحكومة. هذا جزء من تاريخ أوروبا، ولكنه ليس جزءاً من تاريخ شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط.

الإصرار على هذا النموذج لكل شعوب الأرض ما هو إلا إكراه لهم عليه. القضية الأساسية هنا هي أن تجد المجتمعات طريقة يمكن من خلالها لحكوماتها أن تمارس سلطتها بشكل فعال دون أن تقف حائلاً في وجه ازدهار المجتمع. من خلال فصل دوائر السلطة، فإن العلمانية ما هي إلا أحد هذه الطرق. لكن بالطبع هناك نماذج أخرى ممكنة لذلك.

بلدة هامترامك في ميشيغان الأمريكية - أول مدينة في الولايات المتحدة  بسلطة محلية ذات أغلبية مسلمة. (photo: DW/I. Pohl)
مثال ينبغي الاقتداء به: يقول موسى: "أعطوا المسلمين في أوروبا مساحة لجعل أوروبا موطنهم أولاً. إذا ما أخذتم العنف الذي يمارسه أفراد مسلمون قلائل كحجة لوصم كل المسلمين في غرب أوروبا، فإنكم بذلك تحشرون المسلمين في زاوية".

هل تعني الفصل بين المجالين بدون استخدام كلمة العلمانية؟

موسى: عدد من علماء الدين المسيحيين والمسلمين واليهود قلقون من قطار العلمانية المسرع في اتجاه واحد، ناشراً عجرفته العلمانية ومتجاهلاً طرق العيش الأخرى. الاعتراف بذلك لا يعني الدعوة إلى أوروبا مسيحية مرة أخرى، أو حتى مسلمة أو يهودية. لكن على الأوروبيين أن يتقبلوا بعض النقد لعلمانيتهم.

العلمانية دفعت الأديان إلى إعادة التفكير في بعض مواقفها، وبطريقة ما، يمكن للأديان أيضاً أن تساعد العلمانيين على إعادة التفكير في بعض أوجه علمانيتهم. على سبيل المثال، دعا يورغن هابرماس في سنواته الأولى إلى عقلانية علمانية مشددة دون أي حوار مع الدين. أما اليوم، فهو يقول إننا بحاجة إلى حوار عميق مع الدين، لأنه بات يقدّر أهمية الدين في وقتنا الراهن.

لما نحتاج إلى هذا الحوار مع الدين؟

موسى: من المهم رعاية حوار عميق مع المسلمين في أوروبا، بدون أن نشترط مسبقاً أن يصبح الإسلام علمانياً. يجب أن يتوقف الناس في أوروبا عن قول ذلك. أعطوا المسلمين في أوروبا مساحة كافية ليجعلوا أوروبا موطنهم أولاً.

إذا ما أخذتم العنف الذي يمارسه بعض الأفراد المسلمين كحجة لوصم كل المسلمين في غرب أوروبا، فإنكم بذلك تحشرون المسلمين في زاوية وتجبرونهم على الاختيار بين دينهم، الإسلام، وموقعهم السياسي، أوروبا. سيختارون الإسلام. أعطوا المسلمين مساحة لالتقاط أنفاسهم في أوروبا كي يتمكنوا من تطوير لاهوتهم، واسمحوا لهم بمواجهة العلمانية، وذلك كي تتمكن العلمانية من تصحيح نفسها.

 

حاورته كلاوديا منده

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

إبراهيم موسى أحد أبرز الباحثين في الفكر الإسلامي المعاصر. ولد موسى عام 1957 في جنوب أفريقيا، وهو يركز في دراساته على الأخلاق الإسلامية والشريعة وقضايا التقاليد والحداثة في الإسلام. موسى أيضاً أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة نوتْردام في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة