الاحتجاجات بقيت طيلة الأشهر الستة الأولى من عام 2018 متفرقة ومتناثرة، ولم تصل إلى مستويات تظاهرات "الثورة الخضراء" عام 2009، والتي كان من أسوأ نتائجها خروج نخبة كبيرة من الإيرانيين الواعين والساخطين على سلطة الكهنة، وفرارهم إلى الخارج ليضافوا إلى ملايين الإيرانيين المهاجرين في أرجاء العالم والذين نسوا أنّ التغيير ممكن في بلدهم العريق، وآمنوا بأنّ "الملالي هم قدر إيران حتى آخر الزمان" كما يقول محمد عبد الله (وهو اسم مستعار) لرجل دين سني من سكنة طهران، تحدث لموقع قنطرة عبر الهاتف مشترطا عدم الكشف عن هويته.

الناشطون في التظاهرات اليوم، يبدو أغلبهم حريصين على ألا يزعجوا الكهنة، أي أن ينتقدوا ويتحركوا خارج دائرة المسجد والمعبد، فهي مقدسات لا يريدون المساس بها، في المقابل فإنّ قوات الأمن تبدو اليوم مجهزة قوية بشكل يفوق ما كانت عليه عام 2009، كما أنّ التظاهرات والاحتجاجات لا تنطلق بشكل موحد، بل بشكل عفوي عشوائي غالبا، وخلاصة الموضوع أنها بلا قيادة، وبلا منهجية واضحة، وغالبا لا تعرف ما تريد - أو لا تريد أن تعرف!

وخلال عام 2017 ، حاول محمود أحمدي نجاد أن يركب الموجة، فنشر إشاعات بأن له 9 ملايين متابع في إيران، وأن يده هي الطولى في الشارع، لكنّ التظاهرات التي تلت لم تحشد له أي دعم كما يدعي.

ويمكن للمرء أن يدرك بسهولة أنّ ملايين من أبناء الطبقة المتوسطة - أو على الأقل ما تبقى منها في إيران الإسلامية - غير راضين عن مسار بلدهم وساسته، لكنهم ما برحوا يكونون على هوامش التظاهرات والاحتجاجات ويرفضون أن يخوضوا في عمقها. وبهذا تنقل نيويورك تايمز في عددها الصادر بداية شهر أغسطس/ آب 2018 عن الناشط السياسي المعروف بهنام عموي الذي قضى فترات اعتقال طويلة بسبب نشاطه قوله "لا توجد رؤية واضحة، ولا قيادة، والاحتجاجات لن تحرك سلسلة اعتراضات تمتد إلى عموم البلد، على الأقل ليس في هذه المرحلة".

احتجاجات في إيران يناير / كانون الثاني 2018.
"الملالي هم قدر إيران حتى آخر الزمان"؟: بدأت تظاهرات في إيران بعد أسبوع من احتجاجات المتقطعة عبر أرجاء البلاد في شهر كانون الثاني/ يناير 2018، وما لبثت أن امتدت التظاهرات إلى 80 مدينة بما فيها طهران، حيث نزل الناس إلى الشوارع بمطالب اقتصادية في البداية وما لبثت أن تحولت مطالبهم إلى نداءات تحررية. فقتل نحو 25 متظاهرا، واعتقل أكثر من 4 آلاف ما زالت مصائرهم مجهولة في سجون ايفين وحشمتية وكهريزك وزنجان. الاحتجاجات بقيت طيلة الأشهر الستة الأولى من عام 2018 متفرقة ومتناثرة، ولم تصل إلى مستويات تظاهرات "الثورة الخضراء" عام 2009، والتي كان من أسوأ نتائجها خروج نخبة كبيرة من الإيرانيين الواعين والساخطين على سلطة الكهنة، وفرارهم إلى الخارج ليضافوا إلى ملايين الإيرانيين المهاجرين في أرجاء العالم والذين نسوا أنّ التغيير ممكن في بلدهم العريق، وآمنوا بأنّ "الملالي هم قدر إيران حتى آخر الزمان" كما يقول محمد عبد الله (وهو اسم مستعار) لرجل دين سني من سكنة طهران، تحدث لموقع قنطرة عبر الهاتف مشترطا عدم الكشف عن هويته، كما يكتب ملهم الملائكة.

ويمضي إلى القول وهو يتأمل المدينة من خلف زجاج المطعم الذي جلس فيه: "عليّ أن أعترف أنّ الدولة وأمنها وماكنتها الدعائية تستطيع أن تهندس الرأي العام بنجاح بحسب ما تهوى، وتقنع أغلبية الناس أنّ الوضع الراهن هو الأفضل لهم، وأن التغيير، أي تغيير سيكون عليهم وبالا ويجلب لهم الويلات" والناس طبعا ترى ما جرى في سوريا وليبيا واليمن وتونس وحتى في العراق بعد عام 2003.

ولكن إيران طالما كانت واحة للهدوء والاستقرار حتى في أحلك لحظات الحروب، وهذا يعني أنّ إمكانات التغيير أو الثورة أو حتى انتفاضة من نوع ما تبقى خاضعة لجزئيات الشخصية الإيرانية التي تنبذ العنف. وبذلك فإنّ تصاعد أرقام الاحتجاجات والتظاهرات وتراكمه، قد يخلق على مدى عقود ركاماً تاريخياً يحرك الوضع نحو التغيير، فثورة الخميني سبقتها عشرات الثورات والانتفاضات منذ ثورة التنباك فصاعداً.

 

 

ملهم الملائكة

حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة