الناشط اليساري الحقوقي المصري البارز علاء عبد الفتاح.

الناشط المصري علاء عبد الفتاح
"أنت لم تهزم بعد"...رسائل من وراء القضبان

أيقونة الربيع العربي: جمع أصدقاؤه وأقرباؤه كتاباته من عام 2011 وحتى عام 2021 ونتج عن ذلك رسائل من السجن تحلل تاريخ مصر خلال عقد على الربيع العربي. كتاب قرأه يانيس هاغمان لموقع قنطرة.

"من السهل طمس الحقيقة بحيلة لغوية بسيطة"، مثلما كتب الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي ذات مرة: لا تبدأ حكايتك بما حدث "أوَّلًا"، بل "ابدأ حكايتك من ثانيًا" - ابدأها بما حدث بعد ذلك.

"ابدأ حكايتك من ثانيًا: تصبح سهامُ الهنود الحمر هي المجرمة الأصلية وبنادقُ البيض هي الضحية الكاملة! يكفي أن تبدأ حكايتك من ثانيًا حتى يصبح غاندي هو المسؤول عن مآسي البريطانيين".

أمَّا الذي يسعى إلى الحقيقة فيجب عليه "الحديث عما جرى أوَّلًا".

من الممكن بطبيعة الحال الجدال كثيرًا حول تحديد بداية تطوُّر تاريخي ما.

فهل كان مثلًا الانقلاب العسكري في عام 2013 هو السبب الذي أدَّى في مصر إلى حكم عبد الفتاح السيسي السلطوي؟

أم كان السبب هو الثورة المصرية أثناء الربيع العربي قبل عامين من انقلاب السيسي؟

أم أنَّه يعود حتى إلى ما قبل ذلك، إلى النظام القمعي، الذي أخضع شعب مصر لعقود من الزمن وقد جاء بدوره بعد الحكم الاستعماري البريطاني؟

ولكن الناشط والمثقَّف اليساري المصري علاء عبد الفتاح ينزعج لسبب آخر من دعوة مريد البرغوثي هذه:

"مريد البرغوثي يطالبنا بألَّا نبدأ الحكاية من منتصفها، ولكن بعض الأحداث تجبرنا على البدء منها"، مثلما يكتب علاء عبد الفتاح في مجموعة مقالاته في كتاب يضم بسخاء 450 صفحة (صدر بعنوان: "أنت لم تُهزم بعد" (لم تُهزَموا بعد)، عن منشورات فيتزكارالدو، في تشرين الأوَّل /أكتوبر 2021).

وعلاء عبد الفتاح يرى مثل هذه الأحداث في يوم الرابع عشر من آب/أغسطس 2013.

وكلُّ ما حدث قبل ذلك وما حدث بعد ذلك يتضاءل ويتلاشى بجانب ذلك اليوم، يوم ولادة الدكتاتورية العسكرية في مصر.

وحول ذلك يكتب علاء عبد الفتاح: "لقد فُرضت علينا نقطة انطلاق جديدة، ومن الآن فصاعدًا صار يجب علينا أن نتعايش مع أكبر مذبحة في تاريخنا".

في ذلك الأربعاء 14 / 08 / 2013، قتلت قوَّات الأمن أكثر من ثمانمائة شخص، وربَّما أكثر من ألف شخص، عندما فضَّت اعتصامين للمحتجين في القاهرة.

لقد سجَّل التاريخُ هذا اليومَ -المصادف للرابع عشر من آب/أغسطس 2013- باسم مذبحة رابعة المسماة على اسم أحد الاعتصاميين.

لقد كان حينها أنصار جماعة الإخوان المسلمين يتظاهرون في إحدى ضواحي القاهرة ضدَّ الانقلاب العسكري وضد إعادة بناء الديكتاتورية بعد ثورة يناير 2011.

قيادة الانقلاب -بتوجيه من الرئيس المصري الحالي (2022)-وضعت حدًا لتلك الانتفاضة.

وحول ذلك يكتب علاء عبد الفتاح: "معظمنا ينكرون حدوث ذلك، والكثيرون يحاولون إقناع أنفسهم بأنَّ ذلك كان ضروريًا ولكن عدد الشهداء وجثثهم تديننا جميعًا. نحن لن نستطيع أبدًا الهروب من رابعة".

رفض المشروع الإسلامي

إنَّ مَنْ يعتقد أنَّ هذا التضامن مع الضحايا الإسلاميين يعني التعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين يكون مخطئًا في اعتقاده هذا.

إذ إنَّ علاء عبد الفتاح لا يترك أي مجال للشكّ في رفضه الشخصي القائم على الحرِّية للمشروع الإسلامي، غير أنَّه يرفض أيضًا تجريد خصومه السياسيين من إنسانيَّتهم، والذين يتشارك في معارصتهم مع النظام العسكري.

 

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. Egyptian President Abdul Fattah al-Sisi at the World Youth Forum (photo: AFP/picture-alliance)
لأوَّل مرة موقف جديد من داخل السجن: أوضح علاء عبد الفتاح في بيان مفاجئ أنَّ الأزمة شاملة، بحيث أنَّه اتَّخذ ولأوَّل مرة داخل السجن موقفًا جديدًا: "على الرغم من رفضي التام لشخص الرئيس عبد الفتاح السيسي وحكومته، إلَّا أنَّني لم أعد أرى أنَّه يجب علينا السعي من أجل إنهاء حكمه بشكل فوري". وبدلًا من ذلك، يعلن علاء عبد الفتاح عن تأييده التغيير التدريجي، أي عملية "تقويض الديكتاتورية الرئاسية"، والتي تبدأ بأن تلتزم الحكومة في البداية بقواعدها الخاصة، بحسب تعبير الصحفي يانيس هاغمان.

 

"السكوت على شيطنة الحركة الإسلامية وتشويهها ووصفها كـ’خِرَافٍ‘ - كلُّ هذا مَهَّد الطريق للمذبحة"، مثلما يكتب علاء عبد الفتاح: الاعتراف بمعاناة الآخرين صعبٌ جدًا وضروريٌ جدًا.

وكذلك يكتب حول الإسلاميين أنَّ "إيديولوجيتهم كارثة" ولكنهم "مضطهدون ويجب علينا أن نتحدَّث حول الانتهاكات التي يتعرَّضون لها".

وعلاء عبد الفتاح لديه ما يكفي من معاناته الخاصة ليتحدَّث حولها: فعلاء عبد الفتاح، الذي يعتبر على الأرجح أبرز ناشطي ميدان التحرير وعمره الآن (2022) أربعون عامًا وهو أب لطفل، ظلَّ محتجزًا في السجن منذ عام 2013، بصرف النظر عن قضائه بعض الفترات القصيرة خارج السجن.

وهذا يجعله قادرًا على نقل صورة حية وبالتفصيل من داخل سجون التعذيب المصرية:

يكتب أنَّ "أقسى أشكال الإهانة هو ما يعرف باسم حرس الشرف، حيث يجب على السجناء الجدد أن يزحفوا بين صفَّين من رجال الشرطة، الذين يمطرونهم بالركلات والضرب والإهانات".

ويضيف أنَّ هذا العمل هدفه هو إجبار السجين على القبول التام لحياته من دون إرادته، في حين أنَّ درجة الإهانة والإذلال تكون بحسب انتمائه الطبقي:

"فعندما يتم تصنيفك كشخص من دون حماية، فستكون منذ اللحظة الأولى عرضة للإهانة القصوى والعنف. ومع الوقت تنخفض شدة الإهانة، ولكن الرعب في تلك الأيَّام الأولى لن يتلاشى أبدًا".

ونظرًا لأنَّ علاء عبد الفتاح مسجون حاليًا (في وقت كتابة هذا المقال)، فقد قام أصدقاؤه وأسرته بجمع كتاباته في كتاب ورتَّبوها ترتيبًا زمنيًا من عام 2011 وحتى عام 2021.

وقد نتج عن ذلك مجموعة من النماذج الكتابية: رسائل من السجن تم طبعها بجانب بعض تغريداته على موقع تويتر أو بعض منشوراته على موقع فيسبوك، ومقالات صحفية بجانب خطابات أو حوارات مسجلة وقد تمت كتابتها لاحقًا.

لا تزال أفكاره المبكِّرة حول الثورة منيرة حتى يومنا هذا. فهي تكشف عن روح تتجاوز إلى مدى بعيد معارضي النظام البسطاء.

وهو يتعمَّق في بحثه، حيث يكتب مثلًا حول سائقي مترو الأنفاق، الذين يهدِّدون بالإضراب تعبيرًا عن تضامنهم مع عمَّال السكك الحديدية.

ويستنتج في تحليله أنَّ: "الإضراب التضامني هو أخطر ما يواجه النظام.

فعندما يُضرِب عامل ما عن العمل من أجل مطالب الآخرين، لأنَّه يعرف كيف ترتبط أوضاعهم ببعضها، فهذا هو تسييس الحركة العمَّالية الذي نحتاجه".

ومن الجدير ملاحظة مقال من عام 2011 كتبه علاء عبد الفتاح بعد وقت قصير من الثورة، ويستخلص فيه دروسًا لصالح عملية صياغة الدستور في مصر من كفاح جنوب إفريقيا من أجل الحرِّية.

فهو يعطي أيضًا الدستور طابعًا إجرائيًا يتعلق بالهوية تمامًا مثل مفهوم الثورة، الذي يتجاوز بحسب تعبيره تحوُّل النظام السياسي ويتطلَّب هوية ثورية.

ويكتب: "يجب علينا أوَّلًا أن نتخلى عن فكرة أنَّ صياغة الدستور تعتبر مهمة بسيطة يمكن لبعض الخبراء أن يقوموا بها بسرعة".

ويضيف أنَّ جنوب إفريقيا قد سلكت طريقًا شاقة من أجل تكوين الوعي السياسي.

يصف علاء عبد الفتاح كيف سافر آلاف من المتطوِّعين في جنوب إفريقيا عبر جميع أنحاء بلدهم قبل موافقة مجلس الشعب في عام 1955 على ميثاق الحرِّية الشهير.

ويكتب أنَّ الناشطات والناشطين استمعوا إلى ما يقوله الناس العاديون، ووسَّعوا بشكل تدريجي الكفاح ضدَّ نظام الفصل العنصري ليمتد إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

وفي البداية، أصبح ميثاقُ الحرِّية بمثابة التشريع للحركة المناهضة للفصل العنصري قبل أن يصبح بعد ذلك بأربعة عقود المرجع الأساسي لدستور جنوب إفريقيا الحالي.

ولكن مثلما نعلم فقد سارت الأمور بشكل مختلف في مصر ولم يوضع أي "عقد اجتماعي" كان بإمكانه أن يصبح جزءًا من الهوية المصرية، بل مرَّرت القيادة العسكرية -في أجواء مستقطبة أعقبت مذبحة رابعة العدوية- وثيقةً تم وضعها من قِبَل جمعية تأسيسية لصياغة الدستور مشكَّلة على نطاق اجتماعي واسع، وتم اعتمادها في استفتاء أجري عام 2014.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة