جنود من قيرغيزستان في مناورة 2021,

النزاع الحدودي بين قيرغيزستان وطاجيكستان
صراع يهدد استقرار آسيا الوسطي

نزاع حدودي بين طاجيكستان وقيرغيزستان أسقط قتلى وجرحى يتطلب إيجاد تسوية بالتزامن مع اضطرابات في الجوار الأوكراني والكازاخستاني والأفغاني. تحليل أحمد عبده طرابيك.

تتجدد بشكل شبه دوري الصراعات على طول الحدود الفاصلة بين كل من طاجيكستان وقيرغيزستان الدولتين السوفييتيتين السابقتين اللتين تقعان في آسيا الوسطي، وذلك نظراً لعدم وجود حدود سياسية فاصلة ومحددة تفصل بين البلدين.

فما إن يهدأ الصراع إلا وسرعان ما يتجدد حتى أصبح يشكل حالة مزمنة، الأمر الذي يزيد من احتمالات اشتعال الوضع في أي لحظة، خاصة مع وجود حالة من عدم الاستقرار في المنطقة بشكل عام، بالإضافة أن بعض الأطراف الخارجية تعمل على إزكاء ذلك النزاع، حيث تري أن ذلك يخدم مصالحها ويكون ذريعة لتدخلها بشكل أكبر في المنطقة.

تجدد الصراعات في المناطق الحدوية

تتقاسم طاجيكستان وقيرغيزستان الدولتان العضوان في منظمة شنغهاي للتعاون، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي حدوداً مشتركة يبلغ طولها 971 كيلو مترا، أكثر من ثلث هذه الحدود متنازع عليها، ولم يتم ترسيمها حتى الآن منذ استقلال الدولتين عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، ويرجع السبب في ذلك إلى تداخل المجتمعات السكانية في هذه المناطق الحدودية وارتباطها مع بعضها بروابط وعلاقات اجتماعية يصعب على حكومتي البلدين وضع حدود تفصل تلك التجمعات السكانية عن بعضها. ولكن رغم ذلك تتجدد النزاعات والصراعات في تلك المناطق الحدوية بسبب المياه، حيث تقل كميات المياه خلال الفترة من شهر أبريل وحتى شهر يوليو من كل عام.  

 

مظاهرة في بيشكيك في قرغيزستان من أجل إنهاء النزاع الحدودي مع طاجيكستان. Kirgistan Bischkek  Kundgebung zu Grenzkonflikt mit Tadschikistan Demonstration in Bischkek für ein Ende des Grenzkonflikts mit Tadschikistan 2021 Foto Picture Alliance
منطقة حدودية متنازع عليها بين الجمهوريتين السوفييتيتين السابقتين الفقيرتين للغاية: لا تزال آسيا الوسطى منطقة حسّاسة حتى بعد 30 عاماً على سقوط الاتحاد السوفييتي: شهدت قرغيزستان ثلاث ثورات ومواجهات إثنية منذ العام 2015، بينما سجلت طاجيكستان اشتباكات متفرقة مع الجماعات الإسلامية المسلحة فيما لا تزال تتعافى من الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وغالباً ما تشهد المنطقة الحدودية المتنازع عليها بين الجمهوريتين السوفييتيتين السابقتين الفقيرتين للغاية صراعات بين السكّان المحليّين على الأراضي والمياه. وإذا كانت وحدات من حرس الحدود في كلا البلدين تتدخّل أحياناً في هذه الصراعات، إلا أنّ المعارك التي دارت العام الماضي 2021 كانت الأعنف من نوعها منذ سنوات وأثارت مخاوف من تدهور الوضع إلى نزاع عسكري أوسع نطاقاً. في الصورة مظاهرة في بيشكيك في قرغيزستان من أجل إنهاء النزاع الحدودي مع طاجيكستان.

 

تتفاقم الخلافات والنزاعات بين الجانبين عندما يقوم المزارعون بغلق قنوات الري المتداخلة بين الطاجيك والقيرغيز، حيث يلجأ المزارعون خلال أوقات نقص المياه إلي احتجاز المياه والاستئثار بها ومنعها من المرور إلى باقي المزارعين في الجانب الآخر، الأمر الذي يثير غضبهم فيلجأون لفتح تلك القنوات بالقوة، لأنها تشكل بالنسبة لهم مصدر معيشتهم وشريان حياتهم، وهكذا تتكرر تلك الصراعات بشكل شبه دوري، خاصة مع غياب آلية دقيقة وفعالة لإدارة قضية المياه العابرة للحدود ليس بين قيرغيزستان وطاجيكستان وحسب بل في منطقة آسيا الوسطي بشكل عام، وخاصة مع أوزبكستان التي تتقاسم مع الدولتين وادي فرغانة الخصيب الذي يشكل سلة الغذاء لهذه الدول الثلاث. 

تسببت مشكلات المياه على مدار العقود الطويلة الماضية، وحتى في العهد السوفييتي في حدوث مشكلات بيئية كبيرة في آسيا الوسطي، بسبب نقص تدفق المياه في نهري سيرداريا وأموداريا، المعروفين في التاريخ والتراث العربي باسم نهري "سيحون وجيحون" إلى بحر آرال، الذي تتقاسمه كل من جمهوريتي أوزبكستان وكازاخستان. وباعتباره بحر مغلق، فقد أدى نقص تدفق المياه إليه إلى انحسار مساحته بنسبة تجاوزت أكثر من النصف، ونتج عن ذلك زيادة الأملاح به أدت إلى نفوق الأسماك ومختلف الأحياء المائية التي كانت تعيش فيه.

هذا إلى جانب تأثير تلك الأملاح على المناطق الزراعية بشكل كبير نتيجة هبوب الرياح التي تنقل كميات كبيرة من هذه الأملاح إلى الأراضي الزراعية، وامتدت المشاكل البيئية الناتجة عن جفاف بحر آرال إلى دول آسيا الوسطي الخمس، الأمر الذي جعلها تتعاون معاً من أجل الوصول إلى حلول لتلك المشكلة، ورغم تأسيس الدول الخمس "أوزبكستان، كازاخستان، تركمانستان، طاجيكستان، قيرغيزستان"، صندوقاً خاصاً "صندوق بحر آرال" بهدف جمع الأموال وحشد الجهود لمعالجة المشكلات البيئية الناتجة عنه جفاف البحر، وقد أسفرت تلك الجهود عن التحرك بعض الخطوات المحدودة في جهود معالجة تلك الآثار، إلا أن المشكلة مازالت مستمرة.

ترسيم الحدود بين طاجيكستان وقيرغيزستان "قضية معقدة"

أقر رئيس طاجيكستان إمام علي رحمان في أبريل 2022، خلال زيارة لمدينة إيسفارا الحدودية مع قيرغيزستان عقب الاشتباكات بين الجانبين، بأن قضية ترسيم الحدود بين طاجيكستان وقيرغيزستان معقدة للغاية، وأن عملية ترسيم الحدود ستستغرق الكثير من الوقت والجهد، وأنه يتم التفاوض بين البلدين منذ عام 2002 في إطار اللجنة الحكومية الدولية لترسيم الحدود بين البلدين، حيث تم عقد أكثر من 170 اجتماعاً علي مدار عشرين عاماً، أسفرت عن تسوية 68.4% من الخط الحدودي، وقد تمت الموافقة على تلك التسوية بالفعل من قبل البلدين، ولكن رغم الصعوبات التي تواجه عملية ترسيم الحدود، إلا أن طاجيكستان مهتمة بالسير في طريق المفاوضات من أجل إنهاء عملية الترسيم في أقرب وقت.

خلال موجة الصراع العام الماضي، أسفرت الاشتباكات التي وقعت بالقرب من كوك تاش بمقاطعة ليليك في 28 أبريل 2021 عن سقوط أربعة ضحايا وعشرات الجرحي، وفي اليوم التالي، قُتل ما لا يقل عن 41 شخصًا من الجانبين، منهم 33 شخصاً، وإصابة 163 شخصاً آخر من العسكريين والمدنيين من قيرغيزستان، بينما أعلنت طاجيكستان عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 90 آخرين، كما تم إجلاء ما يقرب من 10 آلاف شخص، الأمر الذي دعا وزيرا خارجية طاجيكستان وقيرغيزستان إلي الموافقة دون شروط على وقف إطلاق النار على طول الحدود بين البلدين. 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة