نحو المساواة بين الجنسين في السودان

ركزت الحركة النسائية في السودان بشكل كبير على دعم حقوق المرأة الاقتصادية والسياسية. في الآن ذاته، علق الكثير من النساء في شرك محاكمات يبغين من ورائها الحصول على الطلاق أو كسب دعوى حضانة أولادهن، وحرمن من أية ميزات على الكثير من الصعد بسبب الطابع الأبوي لقانون الأحوال الشخصية.

يشرع قانون الأحوال الشخصية في السودان زواج الأطفال، حيث تمنح الفقرة ٤٠ الأب الحق الصريح بتزويج ابنته في سن العاشرة. وعليه، توجد في السودان أعلى معدلات زواج الأطفال في العالم.

نشرت المنظمة السودانية للبحث والتنمية عدة دراسات سلطت الضوء على التبعات الاجتماعية والاقتصادية لزواج الأطفال، والآثار السلبية للقانون الحالي، وأثر القوانين الأبوية والتمييزية على المرأة. وتهدف جهودها أيضاً إلى زيادة فرص وصول المرأة للعدالة في السودان، وخاصة في المحاكم الأسرية، حيث تواجه النساء حالياً إجراءات قانونية لا نهاية لها في معارك الطلاق أو الحضانة-ومن غير طائل.

 

 

لقد استرعت حالة نورا حسين المزيد من الانتباه للبيئة الملأى بالتحديات التي تعيش فيها المرأة السودانية، تلك البيئة التي تجعل من العنف ضدها أمراً اعتيادياً. لقد أجبرت حسين على إبرام عقد زواج في عمر ١٦ سنة، وبعد هروبها، كان عليها الزواج في نهاية المطاف وهي في عمر ١٩ سنة، عندما قتلت زوجها دفاعاً عن النفس، وحكم عليها لاحقاً بالإعدام. ولئن تم تخفيف الحكم الصادر ضدها مؤخراً إلى ٥ سنوات، فلا يزال مصيرها يسلط الضوء على الحاجة الملحة للإصلاح القانوني وإعادة النظر بالتقاليد الاجتماعية. يضرب زواج الأطفال جذوراً عميقة في المجتمع السوداني، ولا يوفر القاعدة التي يتم في النهاية الانطلاق منها نحو التغير الاجتماعي إلا تجريم القانون لهذه الممارسة. 

وهذا هو مربط فرس مشروع المنظمة السودانية للبحث والتنمية بعنوان "نحو مساواة بين الجنسين في السودان". لقد أعدت المنظمة قانوناً للإصلاح وناقشته في عشرات ورش العمل التي عقدت في أرجاء السودان. تم تقديم مشروع القانون إلى وزارة العدل عام ٢٠١٦، وتمت دعوة المنظمة السودانية للبحث والتنمية من قبل الحكومة في السنة التالية لتكون جزءاً من اللجنة الوطنية لإصلاح قانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين. ورغم أنه لم يتم بعد وضع الصيغة النهائية للمشروع، إلا أن النقاشات لا تزال قائمة على قدم وساق، وساهم المشروع في إذكاء الحوار عن حقوق المرأة في الشؤون الخاصة. حيث مهّد الطريق أمام النساء لإعادة التفاوض بشأن حقوقهن داخل أسرهن.

 

 

من ضحايا إلى ناجيات

مركز سيما للتدريب وحماية حقوق المرأة والطفل هو منظمة غير حكومية وهو المؤسسة الوحيدة في السودان التي تقدم الخدمات الشاملة للنساء والأطفال الذين هم ضحية العنف، ويشمل ذلك المساعدة النفسية والقانونية والطبية. واسم المركز نفسه، سيما، يتألف من الأحرف الأولى لخمس من ضحايا العنف - تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، والاغتصاب، والاعتداء الجنسي- اللواتي ألهمن انطلاقة المركز.

ومنذ انطلاقه، ساعد المركز مئات النساء والأطفال الذين عانوا من أعمال العنف والحرمان من العدالة، والتي تتدرج من التحرش الجنسي، مروراً بالعنف المنزلي والاغتصاب إلى الزواج القسري للقاصرات والتمييز الذي يشرعه القانون.

كما أنه يقدم تدريباً لبناء القدرات للأشخاص ليتمكنوا من تقديم الخدمات لضحايا العنف في مجتمعاتهم وحفز هذه المجتمعات على تحسس أضرار انتهاكات حقوق الإنسان.

وباستجابته للحاجات الملحة للضحايا، والتعبير عن الإدانة العلنية للعنف، والدعوة إلى الإصلاح القانوني، فقد نجح مركز سيما في مساعدة النساء على التحول من ضحايا إلى ناجيات.

 

 

 

مستقبل أفضل قادم

ثابرت الناشطات المدافعات عن حقوق المرأة على مقاومتهن، ضمن العمل في بيئة معادية للمرأة، حيث القوانين والأنظمة والنظام السياسي بأكمله ضدهن، وحيث تضرب فرضية تفوق الرجل جذورها العميقة في المجتمع.

وما المنظمات المذكورة أعلاه إلا أمثلة قليلة على طيف واسع يضم مجموعات تعمل بجد وبدون كلل على دعم حقوق المرأة ووضع حد للتمييز ضدها في السودان. لقد بدأت رحلة تحقيق المساواة والعدالة للمرأة منذ زمن بعيد، ولا تزال الطريق طويلة، إلا أن هذا أقل ما تصبو إليه المرأة.
 

ولئن كانت النساء السودانيات قد نزلن إلى الشوارع في طول البلاد وعرضها احتجاجاً ضد هذا النظام القمعي فإن قلوبهن ليعمرها الأمل والرغبة بمستقبل أفضل.     

 

الكاتبة ويني عمر، صحافية وناشطة في مجال حقوق الإنسان، ومهتمة بحقوق المرأة والتغيير الاجتماعي.

ترجمة: جورج سمعان

حق النشر: معهد جوته القاهرة/ "رؤية" 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : ثورة السودان هي ثورة النساء بامتياز

الفخ العربي وليس الربيع العربي الشعوب العربية كما اعتقد لا تتحرك من الداخل ليكون التغير السياسي طبيعي وإنما دائما هناك أصابع خارجية مما يؤدي الى ولاداة مشوهة تزيد من معلمات الشعوب واجعلهم ينفعون بما هو أدنى مما أرادوا تغيره

عبد الكريم لقما...07.06.2019 | 17:37 Uhr