لكن في الآن نفسه، هناك بعض العوامل العنصرية، ومنها تلك التي ترى أن الألماني هو ذلك الذي ينطق الألمانية بدون نبرة أجنبية، وقد وصل عدد من قال بذلك واحدا وأربعين في المائة، في حين رأى ثمانية وثلاثون في المائة أن شرط أن تكون ألمانياً هو التخلي عن الحجاب، وسبعة وثلاثون في المائة أن تنحدر من أصول ألمانية.

ووفقا لهذه الآراء فإنه يتوجب إقصاء كل شخص من أن يكون ألمانيا، إذا لم يتكلم الألمانية كلغة أم، أو إذا تعلق الأمر بامرأة ترتدي حجابا، أو إذا لم ينحدر الشخص من أبوين ألمانيين. ويكفي ألا يتم الإيفاء بشرط من هذه الشروط، لكي لا يتم اعتبار المرء ألمانيا، حتى وإن كان لديه الجنسية الألمانية منذ ولادته.

لا حرية دينية للمسلمين؟

إن هذا المدى الأخرق للإقصاء يظهر في مثال المرأة المسلمة التي ترتدي حجاباً، إذ يتم، كما كتب مؤلفو الدراسة، "إخراجها من السردية القومية وعبر ذلك من الهوية الجمعية، بغض النظر عما إذا كانت ولدت هنا، أو لديها الجنسية الألمانية أو تتحدث الألمانية، بل وحتى إن كانت تنحدر من أبوين ألمانيين، كما الحال مع من اعتنق الاسلام، بل وحتى مع أبناء من اعتنق الإسلام".

وكأهم شخصية في فيلم "ضد الجدار"، حققت الممثلة زيبل كيكيلي شهرة كبيرة، وتعتبر اليوم من أبرز الممثلات الألمانيات. لقد وصل والداها إلى ألمانيا في السبعينيات قادمين من تركيا، وكانا من جيل المهاجرين الأوائل. إنها ترفض تسميتها بأنها تركية-ألمانية، وتشير دائما إلى جواز سفرها الألماني.

لكن مدى هذا الإقصاء يصبح محسوساً بشكل أكبر إذا تعلق الأمر بالولوج إلى سوق العمل. إذ تظهر دراسة للمؤسسة الألمانية للاندماج والهجرة بعنوان "التمييز في سوق العمل" كيف يتم التمييز بين أناس يملكون الكفاءات نفسها، إذا كانوا يحملون أسماء تركية.

ففي الوقت الذي يتوجب على المرشح الألماني كتابة خمس طلبات للعمل في المعدل، يتوجب على المرشح الذي يحمل اسما تركيا كتابة سبع طلبات. ويظهر التمييز بشكل أكبر من المرشحات اللواتي يحملن اسما ألمانيا، ونظيراتهن اللواتي يحملن اسما تركيا ويرتدين الحجاب، كما تظهر دارسة لدوريس فايكزلباومر: "التمييز ضد النساء المهاجرات اللواتي يرتدين الحجاب".

إعلان لفيلم "ضد الجدار" الذي حاز على جائزة "البرليناله" عام 2004.
تخوفات من الاندماج: كانت توجد تخوفات أيضا لدى بعض المهاجرين من الاندماج في المجتمع الجديد. المخرج التركي الأصل فاتح أكين سلط الضوء على هذه الظاهرة في فلمه "ضد الجدار"، والذي حاز على جائزة "البرليناله" عام 2004.

وتظهر هنا الصعوبات التي تتخلل تعامل الأغلبية الألمانية مع المواطنين المسلمين. فمن أجل الحصول على دعوة إلى مقابلة توظيف، يتوجب على المرشحة التي تحمل اسما تركياً وترتدي حجاباً أن تبعث بطلبات أكثر خمس مرات من تلك التي تتقدم بها المرشحة الألمانية.

وهكذا تصبح المشاركة الاجتماعية للعديد من الناس في ألمانيا، وبسبب أصولهم المهاجرة، أمرا صعب المنال، كما هو الحال بالنسبة للقانونية المسلمة في بافاريا، والتي تم منعها من العمل في المحكمة خلال سنتها التدريبية. لكن وزارة العدل في ولاية بافاريا ترفض القبول بهذا القرار، كما عبر عن ذلك وزير العدل في الولاية فينفريد باوسباك: "لا يمكننا القبول بهذه النتيجة". ألا يمكن لولاية بافاريا أن تدرك بأن حرية التدين حق للمسلمين أيضا؟ إن المعسكر اليميني سيبتهج لا ريب لذلك، فهو الذي لا يرى في المسلمين سوى خطرٍ وجسدٍ غريبٍ على المجتمع.

وفضلا عن ذلك يمكن لنتائج الإقصاء الاجتماعي، وخصوصا إذا أضحت شيئا لا يمكن تجنبه، أن تكون خطيرة على الحياة الاجتماعية المشتركة، وهو ما تظهره عالمة الاجتماع الفرنسية فرهاد خوسروكفار في دراستها: "التطرف". والعكس صحيح، يمكن قوله انطلاقا من دراسة عالمة الاجتماع الفرنسية، فإن تحقيق المشاركة الاجتماعية، وسيلة ناجعة ضد التطرف.

إن ألمانيا بلد هجرة، ونحن الآن نعيش الجيل الثاني للهجرة، وقريبا الجيل الثالث. إن التشبث بفهم ماضوي -وغير واقعي لكينونة الألماني- يسمح بانتشار اليمين واليمين الشعبوي، كما أنه يهدد العيش المشترك في هذا البلد.

 

أندرياس بوك

ترجمة: وداد هادي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

أندرياس بوك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أكون للدراسات الإنسانية في برلين ومحاضر في السياسة الدولية وتحليل النزاع بجامعة أوغسبورغ الألمانية. تدور أبحاثه حول الإرهاب والعنصرية وعلم النفس السياسي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : حاجة إلى وحدة ألمانية جديدة...مع المهاجرين

مقال جميل,

نائل13.11.2017 | 14:47 Uhr

شكرا جزيلا لكم دوام التوفيق والنجاح للجميع

أحمد مشتة07.01.2018 | 20:53 Uhr