الهجرة في ظل نظام الكفالة في لبنان - حين يتحول الإنسان إلى سلعة

نظام كفالة تعسفي - لهذا تنتحر عاملات منازل مهاجرات في لبنان

توجد نحو 250 ألف عاملة منزل من المهاجرات يعملن في لبنان تحت نظام الكفالة، الذي انتقل من الخليج إلى لبنان. وتموت أسبوعياً واحدة منهن لأسباب غير طبيعية، منها الانتحار ومحاولات هرب تؤدي إلى الموت، بحسب هيومن رايتس ووتش. أنطوان أبو ديوان والتفاصيل.

"من وين بنتك؟" هذا ليس سؤالاً غير عاديٍ في لبنان. تعني كلمة "بنت" بالعربية "فتاة"، إلا أنها في هذه الحالة تشير إلى مدبرات المنزل، أو الخادمات، أو المربيات، اللواتي يعملن في لبنان بموجب نظام الكفالة. إنه مصطلح محمَّل يشير إلى الآلاف من العاملات الإفريقيات والآسيويات اللواتي يأتين إلى لبنان في كل سنة.

انتقلت غريس* إلى لبنان قبل خمس سنوات باحثة عن فرص أفضل. وقتها كان عمرها 38 عامًا، وكان بلدها توجو غير مستقر، ووعدها العاملون في مكتب الاستقدام بوظيفة جيدة كعاملة مقيمة في منازل بيروت.

تقول غريس إنها تفاءلت بعض الشيء في البداية. ومع أن معاشها كان قليلًا، إلا أنه كان يسمح لها بتحويل المال إلى بلدها حيث كانت عائلتها في أمس الحاجة إليه. لكن سرعان ما تحول تفاؤلها هذا إلى فزع مروع. فالسيد -اللقب الذي جعلوها تستخدمه في الإشارة إلى رجل البيت الذي كانت تعمل فيه- كان يضربها بشكل متكرر، ولم يكتفِ بذلك.

يبدو الذعر على وجه غريس وهي تحكي حكايتها. تقول: "كان عندي مشكلة اغتصاب،" وتنظر بعيدًا ويزداد تعبير وجهها جمودًا.

أرادت غريس الهروب من قسوة رب العمل ومعاملته السيئة بأي ثمن، ففرت من المنزل. لكنه مع الأسف كان صادر جواز سفرها، وهو إجراء معتاد في نظام الكفالة في لبنان. سلم الجواز إلى الشرطة وأخبرهم أنها قد فرت من المنزل، ليعفي نفسه بذلك من مسؤوليته عن سلامتها.

والآن صارت غريس هاربة في نظر القانون. لا يسمح لها بالبقاء في لبنان، ولكنها غير قادرة على الرحيل لأن الحدود مغلقة. إذا طلبت المساعدة من السلطات جازفت بالحبس في واحد من سجون لبنان السيئة السمعة، حيث لا تعلم إن كانت سترى ضوء النهار مرة أخرى.

 

 

{"في الأسبوع الواحد تموت واحدة من عاملات المنازل المهاجرات في لبنان لأسباب غير طبيعية، منها الانتحار ومحاولات هرب تؤدي إلى الموت". - تقرير لهيومن رايتس ووتش}
 

غريس ما هي إلا واحدة ضمن آلاف عاملات المنازل المهاجرات في لبنان، من ضحايا نظام الكفالة. يجرد نظام الكفالة العاملات من حقوقهن ويجبرهن على البقاء مع أصحاب العمل. ولا يسمح لهن بتغيير الوظيفة أو مغادرة البلد من دون إذن الكفيل.

القانون اللبناني – جذر المشكلة

هناك نحو 250 ألف عاملة منزل من المهاجرات يعملن في لبنان تحت نظام الكفالة مثل غريس. معظمهن يأتي من أثيوبيا وسري لانكا ونيبال والفيليبين.

بدأ نظام الكفالة في دول الخليج، وجاء لبنان بعد الحرب الأهلية. وفي ظل هذا النظام تُستبعد عاملات المنازل المهاجرات من قانون العمل. وهكذا يصبحن ممتلكات يتحكم صاحب العمل والكفيل بالكامل في وضعهن القانوني وإقامتهن، ما يجعلهن عرضة للاستغلال والإساءة.

ولقد زادت الروايات عن المعاملة السيئة لدرجة جعلت أثيوبيا ونيبال والفيليبين تمنع مواطنيها من السفر إلى لبنان للعمل. ومع ذلك لا تمنع الحكومة اللبنانية دخول هذه الجنسيات إلى البلد. ولا يغطي الإعلام المحلي سوى الحالات الفجة منها.

تقول فرنسيس*، سودانية تعمل في جنوب لبنان، إن عاملة من غانا كانت تتعرض إلى الإساءة من صاحب العمل ولم تحصل على معاشها كاملًا قط. ساعدها شخص من كنيسة بالمنطقة ووفر لها الطعام وأقنع صاحب العمل في النهاية بأن يدفع ثمن تذكرة عودتها إلى بلدها.

وتضيف فرنسيس قائلة إن عاملة من كينيا، تعيش في لبنان منذ 2016، كانت تتعرض للضرب بشكل دائم على يد أصحاب العمل وكانوا يجبرونها على النوم في المطبخ. وتخلص فرنسيس إلى أن "نظام الكفالة عبودية حديثة".

تعيش غريس في الظل. تقول: "إذا تحدثتُ إلى الشرطة يقبضون علي. ليس لدي تصريح بالإقامة".

 
 

 

{"العديد من الخادمات المقيمات بالمنازل لا يحصلن على أي خصوصية، ويجبرن على النوم في الصالون أو المطبخ أو الشرفة. كثيرات منهن تعرضن لاعتداءات نفسية و/أو بدنية."}
 

ومن دون تصريح العمل، الذي لا يأتي سوى من خلال الكفيل، لا يمكنها العمل بشكل قانوني. هي الآن تعمل في تنظيف المنازل عند أربع عائلات، وتعيش في سكن مشترك خارج بيروت.

إن قانون المواطنة اللبناني يعقد وضع أطفال العاملات المهاجرات. فالطفل من أب غير لبناني لا يحق له الحصول على الجنسية اللبنانية، حتى وإن ولد على أرض لبنانية. لا يتمتع أطفال عاملات المنازل المهاجرات الذين ولدوا في لبنان بنفس حقوق المواطنين اللبنانيين، ويعيشون خائفين من الترحيل إلى بلد لا يعرفوه.  

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.