الهجوم على سوق عيد الميلاد في برلين في ألمانيا

تماسك المجتمع التعددي المتنوع أفضل مواجهة للإرهاب

"قوة مجتمعنا الألماني المنفتح والحر والتعددي تكمن في استطاعة مكوناته التعايش سويةً في سلام"، كما يرى روبريشت بولينتس النائب السابق في البرلمان الألماني في تعليقه التالي لموقع قنطرة على خلفية الاعتداء على سوق عيد الميلاد في برلين، مضيفاً: "وهذا يعتمد على الثقة المتبادلة...ولهذا علينا عدم تحميل المسؤولية لأقليات أو مجموعات ليس لها علاقة جماعية ولا فردية بهجمات إرهابية، إذا كان إرهابي ينتمي إلى أحدها".

حزن وتضامن وصدمة. إلى أين سيؤدِّي هذا؟ أصبحنا نسأل أنفسنا هذا السؤال بعد الهجوم على أحد أسواق عيد الميلاد في برلين. بالنسبة للإرهابيين الجواب واضح: إلى الخوف والرعب، وإلى ردود فعل غير صحيحة، إلى انقسام في مجتمعنا يُسهِّل عملية تجنيد إرهابيين جدد بين المُهمَّشين. إلى تغييرات تسلب من مجتمعنا قيم الحياة والحب: حرِّياتنا وتماسكنا وشعورنا بأنَّنا نعيش آمنين على حياتنا وأجسادنا.

يقول البعض الآن إننا في حالة "حرب" على الإرهاب. وأنا أعتبر هذا وصفًا غير صحيح، حتى وإن تمخَّض عن حالة الخوف والرعب من الحدث. وبما أنَّ هذا الوصف يمكن أن يسفر عن إجراءات خاطئة، فإنَّ الأمر هنا لا يتعلق فقط بخلاف حول المصطلح الصحيح.

"الحرب على الإرهاب" كان شعار جورج بوش. ولأسباب وجيهة تم انتقاده في تلك الأيَّام على الحديث في هذا السياق حول الحرب: متى ستنتهي هذه الحرب؟ وهل نحن الآن في حالة حرب مستمرة دائمًا، لأنَّ الهجمات الإرهابية لا يمكن استبعادها أبدًا بشكل أكيد وإلى الأبد؟ وهل يجب الاعتراف بالإرهابيين كأطراف حرب، على الرغم من أنَّهم مجرمون؟ لا وبكلّ تأكيد. فعندما يدور الحديث حول الحرب، ينجم عن ذلك تركيز على المعركة العسكرية وليس على مكافحة الإرهاب الشاملة.

مكافحة الإرهاب - هذا هو الوصف الصحيح. وبهذا بالذات يتعلق الأمر: أي مكافحة الإرهاب بوسائل شُرطية بوليسية ومخابراتية - وإذا اقتضت الضرورة بمحاربة "داعش" بالوسائل العسكرية أيضًا. وكذلك بالسياسة الذكية.

يتم تعزيز انتشار الخوف والرعب، عندما ينجح الإرهابيون في خلق عدم الثقة العامة في مجتمعنا: عدم الثقة في الأجهزة الأمنية؛ وعدم الثقة في دولتنا؛ وعدم الثقة في وسائل الإعلام؛ وعدم الثقة في جميع الذين يختلفون عنا. وعدم الثقة في الأقليَّات.

وعدم الثقة هذا يزدهر بشكل جيِّد للغاية في تربة خصبة من الاتِّهامات والشائعات، بحيث يتم في النهاية اعتبار كلِّ شيء ممكنًا. ولهذا السبب من المهم الآن أكثر من أي وقت آخر أن نمتنع عن التكهُّنات العلنية، التي تُعقِّد عمل الأجهزة الأمنية، التي تحذِّر بدورها مرارًا وتكرارًا من ذلك.

سبُل الحماية من الهجمات الإرهابية

كيف نستطيع حماية أنفسنا؟ في هذا السؤال لا يتعلق الأمر فقط بالسلامة من الهجمات، بل يتعلق أيضًا بالحماية من الخوف. لقد منعت أجهزتنا الأمنية حتى الآن حدوث العديد من الهجمات وهي تعمل على تحسين حماية الأهالي: من خلال التعاون الدولي، والتحرِّيات المخابراتية والشرطية الجنائية. ولذلك يجب علينا أن نتَّبع تعليماتها السلوكية من أجل الوقاية والحذر. وجميع هذه الإجراءات الأمنية لا تؤدِّي إلى جعلنا آمنين مائة في المائة، بل آمينين إلى حدّ كبير جدًا من التحوُّل لضحية هجوم إرهابي.

روبريشت بولينتس كان من عام 1994 وحتى عام 2013 نائبًا في البرلمان الألماني الاتِّحادي
روبريشت بولينتس كان من عام 1994 وحتى عام 2013 نائبًا في البرلمان الألماني الاتِّحادي عن حزب الاتِّحاد الديمقراطي المسيحي CDU، ولفترة طويلة رئيسًا للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني الاتِّحادي. وقد ركَّز عمله حتى الآن على السياسة الخارجية والأمنية في الشرق الأدنى والأوسط، وخاصة إيران وتركيا والصراع في الشرق الأوسط.

ورغم ذلك يبقى الخوف. فكيف نستطيع حماية أنفسنا من هذا الخوف؟ أنا لا أعتقد أنَّ هناك وصفة مسجَّلة من أجل ذلك. ولكن قد تساعدنا معرفة ما يريد تحقيقه الإرهابيون - والتصرُّف بالعكس تمامًا من ذلك. ويجب علينا أن نثق في أنَّ أجهزتنا الأمنية ودولتنا تفعل كلَّ ما يمكن من أجل أمننا، وأنَّها تسعى باستمرار من أجل منع الهجمات الإرهابية.

يجب علينا أن نستطلع الأخبار من وسائل الإعلام الجادة، وليس من مدوِّنات غامضة، وألاَّ ننخدع بكلِّ شائعة، لمجرَّد أنَّها تنتشر على موقع فيسبوك بسرعة هائلة. ومن الجدير أيضًا أن نثق في صحافتنا.

الوصول فوق موجة الخوف إلى السلطة

في العادة نفرح عندما يُدرك شخص ما مشاعرنا. وذلك لأنَّنا نشعر عندئذ بأنَّنا مفهومون. ولكن علينا أن ندرك: أنَّ هناك مجموعات أو أحزاباً - مثل حزب البديل من أجل ألمانيا - تثير الخوف، ليس من أجل مواجهة الخوف والحدّ منه، بل من أجل إثارته وزيادته. وذلك لأنَّ هذه المجموعات والأحزاب تريد الوصول فوق موجة من الخوف إلى السلطة، من دون أن تستطيع وصفاتها أن تساعدنا.

وقوة مجتمعنا المُنفتح والحرّ والتعدُّدي تكمن في أنَّنا نستطيع التعايش سوية في سلام كـ"تنوُّع متعدد " (بحسب الفيلسوف وعالم الاقتصاد الهندي أمارتيا سين). وهذا يعتمد على الثقة المتبادلة، وعدم افتراض أي شيء سيِّئ حتى يثبت العكس من قبل الآخر. ولهذا السبب يجب علينا ألاَّ نحمِّل المسؤولية المشتركة للأقليَّات أو المجموعات، التي لا توجد لها أية علاقة جماعية ولا فردية بهجمات إرهابية، إذا كان هناك إرهابي ما ينتمي أيضًا إلى إحدى هذه الأقليات أو المجموعات. إذ إنَّ اللاجئين لا علاقة لهم - تمامًا مثلي ومثلك - بهجوم إرهابي، يرتكبه لاجئٌ ما.

الإرهابيون يريدوننا أن نعيش بشكل مختلف. وأن نخاف ونكف عن الذهاب إلى أسواق عيد الميلاد أو ملاعب كرة القدم، وأن نتجنَّب التجمُّعات والحشود ووسائل النقل الجماعي، وأن نصبح شكَّاكين ولا نعود نثق بأي أحد. يجب علينا أن نفعل عكس ذلك تمامًا وأن نبقى هادئين بقدر الإمكان. فالتماسك في مجتمعنا هو أفضل ما يفيدنا لمواجهة ويلات الإرهاب.

 

روبريشت بولينتس

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2016

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.