يُكرِّر هاينِه مرارًا أن هناك شُحًّا في المراجع الأكاديمية بخصوص ثقافة الطعام المحلية والإقليمية في البلدان المختلفة، وهو بهذا يخلق عُذرًا لأي نقصٍ في المعلومات قد يجده القارئ في كتابه. في إحدى محاولاته، يقوم بالإدلاء بدلوٍ غريب مفاده أن "المحاولات الوحيدة لإماطة اللثام عن التاريخ السالِف تَحدُث حاليًا وحَصريًّا في مجتمَعات المَهجَر المختلِفة وكذلك في مخيمات اللاجئين التي يعيش سكانُها ملتصقين بعضهم بببعض في أوروبا والأمريكتين".

أغلب صفحات كتاب "الهلال الطهوي" تُقرَأ وكأنها ثرثرة وافِدٍ أجنبي حول مائدة الطعام، كما هو واضح في فقرة هاينِه التالية: "أصبَحَت دعوة الضيوف على الولائم من المعالِم الثابتة في العادات الاجتماعية للشرق الأوسط". هنالك المزيد من هذه الترهات، إلا أن التالية هي المفضلة عندي: "يجد الشباب الشرق أوسطي في المُجَمَّعات التجارية المكان الأمثل للقاءات الاجتماعية ولتناول الطعام في مطاعم الوجبات السريعة، حيث تُشَكِّل الأخيرة المحطة الأبرز في زياراتهم لتلك المُجَمَّعات". 

أما بالنسبة لفهرس المصطلحات فهو أيضًا مليئ بالتعريفات المُضَخَّمَة. يُخبِر هاينِه القارئ – وكأن الأخير لا يفقه شيئًا – بأن النَّعناع هو "عشبٌ واسع الانتشار ومتواجد في أجناس متعددة"، وبأن الزّبيب هو "عِنَبٌ مُجَفَّف يحتاج أن يُنقَعَ في الماء لتتجدَّد بنيَته قبل أن يُضاف إلى الأطباق الحلوة والمالحة". أما الفلفل، يخبرنا هاينِه بأنه "تابلٌ واسعُ الاستخدام في أرجاء المعمورة ومتواجد في أجناس متعددة التنوع".

"هؤلاء المسلمون، ما أغربهم"

في كلٍّ من صفحات الكتاب التي يبلع عددها (233) صفحة، نتجول كقُرّاء عبر الزمان والمكان والموضوع، دون معرفة موقعنا الزمني والمكاني. هذا من شأنه أن يخلق تعميماتٍ مُربِكة عن الشرق الأوسط، كثيرًا ما توضعُ كنقيض لغرب راسخ بأفكاره النمطية.

 

بهارات وتوابل شرقية. Foto: Fotolia/Yana
أبحاث مميزة عن تاريخ الطعام في الشرق الأوسط: هنالك العديد من الأبحاث المميزة عن تاريخ الطعام في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ترجماتٍ ممتازة من اللغة العربية لكُتُبِ طبخٍ تعود إلى القرون الوسطى، خصوصًا تلك التي تمّت ترجمتها على أيدي باحثين مستقلين أمثال نوال نصر الله وتشارلز پِيرِي. كما أن هنالك مدونات للطعام المحلي والإقليمي عمادها البحث الدقيق كمدونة "في مطبخي العراقي" لنوال نصرالله والأخرى "شيئًا فَشيئًا: الطَّبخ مع غُول" للباحثة آنِي غُول، كما تكتب الناقدة الأدبية مارسيا لينكس كويلي.

 

{"أغلب صفحات كتاب "الهلال الطهوي" (لمؤلفه الألماني پيتَر هاينِه) تُقرَأ وكأنها ثرثرة وافِدٍ أجنبي حول مائدة طعام" شرقية - الناقدة الأدبية مارسيا لينكس كويلي}.

 

أما بالنسبة لسِياسِيِّي الشرق الأوسط، نراهم يبلون بلاءً حسنًا في هذا الكتاب، والسبب المطروح لنا هو: "براعتُهم في الطهو"، مع إدراج المعلومة بأن عائشة القذافي كانت تعتبر نفسها طاهيةً جيدة. يُتابع هاينِه القول بأن "التناقض بين سِياسِيِّي الشرق الأوسط ونظرائهم الغربيين والأشخاص المرموقين الذين يفضلون الطهو المُبَسَّط، هو تناقضٌ جَلِيّ ومدهِش". 

هناك المئات من المَحَطّات في كتاب "الهلال الطهوي" التي كان من الممكن أن تُشَوِّق القارئ بالفعل، مثل: تاريخ القهوة، وأصول مهلبيّة الـ "بلُومُونج"، وكيفية طرح كتب الطهو البريطانية في القرن التاسع عشر للوصفات العربية والتركية. كما نجد متفرقاتٍ من الاقتباسات الظريفة، كتلك المنقولة على لسان جلال الدين الرومي: "ما إن يبدأ الكَفتُ في الغليان، حتى تقفزُ حبوب الحمصةِ رقصًا ووَجدًا"، إلا أن الكاتب لا يأخذ أي اقتباس إلى المرحلة الأبعد. إذ يشغل كلّ من هذه الاقتباسات مساحةَ صفحةٍ أو إثنتين قبل أن ينتقل هاينِه بسرعة البَرق إلى الاقتباس اللاحق، وهلم جرّا.

هنالك العديد من الأبحاث المميزة عن تاريخ الطعام في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ترجماتٍ ممتازة من اللغة العربية لكُتُبِ طبخٍ تعود إلى القرون الوسطى، خصوصًا تلك التي تمّت ترجمتها على أيدي باحثين مستقلين أمثال نوال نصر الله وتشارلز پِيرِي. كما أن هنالك مدونات للطعام المحلي والإقليمي عمادها البحث الدقيق كمدونة "في مطبخي العراقي" لنوال نصرالله والأخرى "شيئًا فَشيئًا: الطَّبخ مع غُول" للباحثة آنِي غُول.

على النقيض من ذلك، يبدو كتاب "الهلال الطهوي" الذي تم نشره بالألمانية عام 2016 وبالإنجليزية هذا العام 2019 وكأنه سلسلة أبحاثٍ لطُلّابٍ في المرحلة الثانوية. أبحاثٌ تعجُّ بسخافاتٍ ذات نكهةٍ غريبة لمجرد إرضاء مُدَرّسِ الفصل بعددٍ لا بأس به من الكلمات كأولويةٍ للكَمِّ قبل الكيف.

 

 
 
مارسيا لينكس كويلي
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.