اليمن الجميل

جميلة جداً ومليئة بالبساتين ومقصد لليونانين... هكذا كانت صنعاء في القرن التاسع عشر

قبل 140 سنة، لم تكن زجاجات الكحول مخبأة في المنازل، كما شاهدنا في الصور المتداولة من منزل علي عبد صالح... صنعاء كانت جميلة جداً ومليئة بالبساتين.

"المدينة جميلة جداً، والبيوت رائعة وكبيرة ومبنية بأكملها من الحجارة المقطّعة والآجر الأحمر البُني، أما الطرقات فواسعة ونظيفة، والناس أنيقون وجليلون".

هكذا وصف الإيطالي رينزو مانزوني مدينة صنعاء اليمينة، التي تعاني اليوم من إحدى أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، فقد زارها في العامين 1877 و1878، مدوّناً مشاهداته ويومياته في كتابه "اليمن... رحلة إلى صنعاء"، الصادر عن "الصندوق االجتماعي للتنمية- اليمن"، بالتعاون مع معهد "فينيتو " الإيطالي، والذي ترجمه إلى العربية ماسيمو خير الله، وراجعه الأستاذ محمد لطف غالب.

كان أكثر ما جذب انتباه مانزوني سماحة الصنعانيين وعدم تعصبهم حتى مع الحكام الأتراك، فلم يسجّل أبداً أي صدام ولا أية مشاجرة بينهم.

كان لليونانيين نصيب من العيش في المدينة. كانت لديهم دكاكينهم المليئة بمنتجات مثل عيدان الثقاب وورق لفّ السجائر وعلب السردين، وجميع أنواع الكحول والبيرة مروراً بالكؤوس والمصابيح النفطية والمرايا والملابس.

 كل هذه البضائع اسُتوردت من قبل يونانيين عملوا سابقاً في حفر قناة السويس بمصر، وبعد انتهاء عملهم فيها انتشروا في منطقة سواكن في السودان ومصوع في أثيوبيا والحديدة في اليمن، ليصلوا إلى صنعاء مع كميات كبيرة من البضائع، خاصة تلك الضرورية للأتراك.

الموسيقى والغناء

لفت انتباه الإيطالي اهتمام الصنعانيين بالموسيقى. انتمى بعضهم إلى فرق لا تقدم إلا الترانيم الدينية في البيوت، أما الموسيقيون العاميون مثل المغنين والراقصين، فكانوا يؤلفون "فئة خاصة مُحتقرة بسبب عاداتهم وأغانيهم ورقصهم الخلاعي، فيخجل ساكن المدينة من الانتماء إليهم".

لذلك كان الموسيقيون العاملون في المدن من الرحّل، "ينتقلون من بلد لآخر مع نسائهم، يسترزقون قوتهم بهذه الحرفة، ولا يمكن أبداً أن تجرؤ امرأة من المدينة على الرقص والغناء علناً".

"اليمن-رحلة إلى صنعاء 1877-1878م لمؤلفه الرحالة الايطالي زنزو مانزوني Renzo Manzoni الذي زار المدنية في تلك الفترة. يكمن أهمية الكتاب أنه وثق وصفاً دقيقاً للمدينة بالإضافة إلى العديد من أسماء وأسوار وبوابات وحمامات وقصور ومساج ومعالم المدينة ومحيطها الجغرافي، كما انه وثق عددا من المناطق اليمنية الأخرى التي مر بها عند وصوله إلى ميناء مدينة عدن إلى صنعاء والأدوات والأشخاص والنباتات التي تعرف عليها.
"اليمن-رحلة إلى صنعاء 1877-1878م لمؤلفه الرحالة الايطالي زنزو مانزوني Renzo Manzoni الذي زار المدنية في تلك الفترة. يكمن أهمية الكتاب أنه وثق وصفاً دقيقاً للمدينة بالإضافة إلى العديد من أسماء وأسوار وبوابات وحمامات وقصور ومساج ومعالم المدينة ومحيطها الجغرافي، كما انه وثق عددا من المناطق اليمنية الأخرى التي مر بها عند وصوله إلى ميناء مدينة عدن إلى صنعاء والأدوات والأشخاص والنباتات التي تعرف عليها.

العمال المنزليون

دخل مانزوني كثيراً من بيوت المدينة ولاحظ امتلاءها بعدد هائل من العمال المنزليين الذين يُعامَلون معاملة حسنة جداً. ذكر أنهم كانوا يؤدّون واجبات قليلة، حتى أنه "باستطاعة أسوأ خادم في أوروبا، ومن دون أي مجهود، أداء العمل اليومي عن أربعة أو خمسة خدم عرب" على حد وصفه.

 بيد أن الرجال لم يستطيعوا توظيف العاملات، ولا النساء توظيف العمال من الرجال، ولم يكن هناك وجود للخصيان في اليمن، كما أن اليهود لم يستطيعوا توظيف عمال منزليين من المسلمين، أما المسيحيون فيبدو أنه كان مسموحاً لهم بذلك، حسبما روى مانزوني.

 

"قبل 140 سنة، لم تكن زجاجات الكحول مخبأة في المنازل، كما شاهدنا في الصور المتداولة من منزل علي عبد صالح... صنعاء كانت جميلة جداً ومليئة بالبساتين"

 

نساء صنعاء

أثناء رحلته من عدن إلى صنعاء، مرّ الإيطالي على قبائل كثيرة جعلته يعقد مقارنات بين نساء هذه القبائل وساكنات صنعاء اللواتي وصفهن بالأكثر جمالاً، ووصف بشرتهن بالأكثر بياضاً.

أما شعرهن فطويل جداً، وذا لون أسود في أغلب الأحيان ويوضع باستمرار خلف الرأس ما عدا ذلك المنسدل على الجبين والذي يتم تقصيره قليلاً ويُترك لينساب إلى الأمام، بينما يُترك الشعر الخلفي حراً أو يُمشّط على هيئة ضفائر مفردة العدد دائماً، لأنهن يعتقدن بأن ذلك يجلب الحظ السعيد.

وكانت زوجات كبار القوم والأغنياء يمتزن بثراء وتنوع أثوابهن، لكن هذا فقط في منازلهن أو في "الحريم" الذي يزرنه. فالقميص مصنوع من التيل الناعم جداً، ولونه أبيض أو زهري أو أزرق أو أصفر فاتح، ومطرز بالحرير والذهب، ومكسو من الأمام بزخارف لامعة.

غير أن الأمر يختلف كلياً في الشارع، إذ "ترتدي النساء فوق أثوابهن على اختلاف وضعهن الاجتماعي ملاءة كبيرة من القطن أو من التيل العادي ذات لون داكن تغطي كل أجسادهن من الرأس حتى القدمين، ويُغطى الوجه كاملاً بواسطة منديل من القماش الخفيف دون أن يكون له على مستوى العينين والأنف أي ثقب".

هذه الملاءة تغطي الأثواب الغنية لنساء الرجال الكبار، كما تغطي أيضاً أثواب الفقيرات ذوات الحالة الاجتماعية الدنيا. لذا في الطرقات، كان يصعب التكهن حول ما إذا كانت هذه الملاءات البائسة الداكنة اللون تخفي تحتها امرأة ثرية أو فقيرة، شابة جميلة أم عجوز.

بيد أن مانزوني يلفت إلى أن النساء كنّ يتركن بعضاً من بشرة القدم مكشوفة، وهذا يكفي لتخمين إن كانت المرأة فتاة أم عجوزاً.

"الحريم"

لم يفت مانزوني الذي دخل بيوت كثيرة في صنعاء وجود شقة مخصصة للنساء تسمى "الحريم"، مفصولة عن تلك التي يسكنها عادة الرجال ويستقبلون فيها الزائرين.

وبحسب الرحالة، يُعتقد في أوروبا أن "الحريم" مكان تسلية مخصص للفجور وإشباع الشهوات، وهذا الاعتقاد خاطئ على الإطلاق. هناك تسكن والدة وزوجة وشقيقات ربّ المنزل، والحشمة الصارمة والانضباط الشديد يسيطران على المكان الذي يشبه مكان إقامة الراهبات في أوروبا.

وفي حريم الأثرياء العديد من العاملات اللواتي ليس بإمكان السيد أن يراهن، فالعاملات المنزليات لم يكنّ مخصصات لإرضاء شهوة السيد، وإنما تقوم كل واحدة منهن بخدمات خاصة لزوجاته. فهناك واحدة تهتم بخزانة الثياب، وأخرى بتقديم الطعام، وواحدة بالقهوة، وعدة منهن بالمطبخ وكثيرات بالغسيل والخياطة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.