التعليم وأوقات الفراغ

رغم تجواله الكثير في شوارع وبيوت صنعاء إلا أن مانزوني لم يقابل سيدة متعلمة، فنساء صنعاء لم يكنّ يجدن القراءة ولا الكتابة، ولم يتقن سوى الطبخ والحياكة والتطريز ولم يهتممن إلا بالمنزل، وخصوصاً بتحضير طعام العائلة.

لذلك، كنّ يمضين أوقاتهن بتلوين اليدين والرجلين بالحناء والحاجبين والرموش بالكحل، وما تبقى من الوقت يستغرقنه في تزيين وتجميل أنفسهن رغبة منهنّ في إثارة إعجاب أزواجهن.

أيام للحظ السعيد والتعيس

    "جميلة جداً، والبيوت رائعة وكبيرة... أما الطرقات فواسعة ونظيفة، والناس أنيقون وجليلون"... هكذا كانت صنعاء، التي تعاني اليوم إحدى أكبر الكوارث الإنسانية، عام 1877
"جميلة جداً، والبيوت رائعة وكبيرة... أما الطرقات فواسعة ونظيفة، والناس أنيقون وجليلون"... هكذا كانت صنعاء، التي تعاني اليوم إحدى أكبر الكوارث الإنسانية، عام 1877

كان العامة البسطاء من أهل صنعاء الذين لا يعرفون القراءة يؤمنون بالسحر وتحضير الأرواح. وذكر الرحالة الإيطالي أن المنتمين إلى الطبقات الدنيا كانوا يقبلون على العرافين والعرافات للتكهن بالحظ السعيد أو التعيس، أما المنتمون إلى الطبقات الميسورة والثرية فكانوا يؤمنون فقط بـ"علم النجوم".

وكان لأهل المدينة اليمنية أيام حظ وأيام يسودها سوء الطالع. أيام الحظ هي الاثنين المكرس للزواج، والخميس هو اليوم المبارك، والجمعة الأكثر حظاً إذ يذكّر بهجرة الرسول محمد من مكة إلى المدينة التي حدثت في مثل هذا اليوم.

والأحد والأربعاء كانت أياماً غير مصنّفة، أما الثلاثاء فهو يوم مشؤوم، ويسمى بيوم الدم، إذ أن أغلبية الشهداء المسلمين توفّوا في مثل هذا النهار. واعتبر اليمنيون السبت أسوأ الأيام على الإطلاق لأنه يمثل يوم الاحتفال عند اليهود، ما يعبر عن النظرة التي حملوها إلى هذه الطائفة.

وخلال العام، هناك أيام أيضاً خاصة للحظ السعيد أو التعيس. أسوأها على الإطلاق كان آخر أربعاء من شهر صفر، إذ يخشى الناس الخروج من منازلهم خشية تعرضهم للحوادث، لأنهم يعتقدون أن هذا اليوم هو يوم الاحتفال عند "العفاريت".

أولياء ودراويش

في صنعاء ظهر للرحالة الإيطالي تأثر اليمنيين بأوليائهم الأموات والأحياء، وهؤلاء يحصلون على تقديس منحتهم إياه معتقدات الجمهور، وغالباً ما كان، بحسب مانزوني، يتم العبث بهذه المعتقدات واستغلالها بشكل فاضح.

ومما أثار دهشة الرحالة نظرة الناس إلى من أشار إليهم بـ"الحمقى والمعتوهين" غير المؤذين كرجال فضّلهم الله على غيرهم. فهؤلاء كان بإمكانهم انتهاك جميع التشريعات الدينية والأعراف الاجتماعية كأن يمشوا عراة في الشوارع دون أن يعترض أحد لأن الجميع يعتبر أن أرواحهم غارقة في تأمل الله.

أما الدراويش فهم "إما أكثر تقوى وعبادة لدينهم من غيرهم، أو يتظاهرون بها، وأغلبهم من الترك والفرس الذين يثبتون قدسيتهم بالتظاهر بأنهم يأكلون الحجارة أو الزجاج أو المعادن، ويدّعون أنهم يخرقون أجسادهم دون الإحساس بالألم أو التسبب بأي جرح، ويربّون العقارب والأفاعي، ويضعون على أذرعهم جمراً مشتعلاً دون أن يحترقوا".

“هم باختصار دجالون يعتاشون على الصدقات، التي إما يطلبونها أو تُعطى لهم دون الحاجة إلى طلبها، ورغم ذلك يهابهم عرب اليمن كثيراً إذ يعتبرونهم جالبين لشؤم رهيب"، ذكر مانزوني.

بستان الطاووس

كثيرة هي البساتين وحقول الخضروات التي كانت تنتشر في أرجاء صنعاء، إلا أن أفضلها في رأي مانزوني بستان الطاووس المتميز باتساعه، والغني بالورود وأشجار الفاكهة والخضار على أنواعها، فقد كان مزروعاً بعناية.

ومثّل البستان مكان النقاء للسادة الأتراك الذين قصدوا المكان حاملين معهم زجاجات "العرَق" (مشروب كحولي) وأكوابه، فيجلسون تحت ظلال الأشجار يحتسون ذلك الشراب، ويأكلون الفاكهة فتكون بمثابة وجبة مقبلات قبل الغداء، أو بمثابة فاتح للشهية على الطريقة التركية.

 

 

معتقدات مغلوطة وأفكار مسبقة

لم يكن كل ما جاء في كتاب مانزوني عن الصنعانيين إيجابياً، فقد ذكر أموراً رآها غريبة وغير منطقية، وبعض آرائه تنبع من آراء مسبقة حول الشعوب الأخرى اعتنقها هو وكثيرون من الرحّالة الغربيين الذين كتبوا عن مناطق زاروها وأظهروا في كتاباتهم نوعاً من ازدراء الثقافات الأخرى.

فمثلاً، يصف العامة من الناس بالانقياد الذليل لمَن يتفوّق عليهم، ويقول إنه كلما مرّ شخص مميز، كان الرجال يتوقفون عن التدخين والعمل ليقفوا باحترام منتظرين تحيته. وقال إنه من المعتاد أن يصف الشخص نفسه أمام الأعيان كتابة أو قولاً بـ"الخدام الوضيع جداً".

ويظهر حكمه على من يلتقيهم، إذ يقول: "حصل العديد من المرّات أن رأيتُ في اليمن قبائل كاملةً من الرجال والنساء قبيحي المظهر جداً، تقابلهم قبائل أخرى من رجالٍ وسيمين ونساءٍ فاتنات.

وفي إحدى زياراته، طلب منه معالجة المرضى، لأن سكان المنطقة اعتبروه طبيباً، فكان تفسيره تعميماً على كامل البلاد الإسلامية، إذ اعتبر أنه في جميع البلاد الإسلاميَة، يُفترض على الأوروبي أن يكون مُلِماً بكلِ شيء بمجرد أنَه يحسن القراءة والكتابة. ولذا فإن العربي برأيه جاهل، "فهو يَعتقدُ أن كل معارف البشرية يكمن أن يحتويها كتاب واحد، ومتى ما استطاع رجل قراءة تلك الصفحات فلا بدَّ أن يعرف كلِ شيء".

وكما يخبرنا الكتاب عن صنعاء كما اختبرها الكاتب، كذلك يعطينا فكرة عن المعتقدات التي كانت سائدة في الثقافة الإيطالية حول العالم الإسلامي، والتي تبين له أنها غير صحيحة، وفي البعض الأحيان مناقضة تماماً للحقيقة. يقول مثلاً إن شهر "رمضان" (أو "رمزان" حسب اللفظ التركي) ليس كما في الاعتقاد الشعبي لدى الإيطاليين، شهرَ الملذات بالنسبة للمسلمين، إنما هو وقت من الصوم القاسي الذي يصبح واجباً على كلِّ مسلمٍ يبلغ الرابعة عشرة من العمر.

برأي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور عبد الوهاب شاكر، يجب التعامل بحذر مع كتب الرحالة لأنها شاهدة على توظيف أيديولوجياتهم الفكرية في رؤيتهم لتاريخ العرب والمسلمين، ولذلك تمتلئ مؤلفاتهم بالمغالطات التاريخية.

وساهم جهل الرحالة الأوروبيين بالدين الإسلامي وبالتراث الفكري داخل المجتمعات العربية، إضافة إلى ضعفهم في اللغة العربية وسوء الترجمة لهم من مرافقيهم، في انتزاعهم لبعض العادات والتقاليد من جذورها التاريخية، فنظروا إليها من منطلق ثقافتهم الغربية ومن ثم رأوها كعلامات تخلف عن الحداثة العصرية في ذلك الوقت، قال شاكر لرصيف22.

 

 

محمد شعبان

حقوق النشر: رصيف22

محمد شعبان صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.