افتضاح المترشحين

عندما فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها بعد وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، اقترب عدد المترشحين من المائة، في بلد لا يعطي لرئيس الجمهورية صلاحيات تذكر، وفيما بعدُ، أسقطت هيئة الانتخابات العشرات من الملفات وقدمت قائمة نهائية من 26 مترشحا، وهو رقم ضخم قياسا بعدد السكان وصلاحيات الرئيس، ما ولّد حالة من الاستهجان بسبب كثرة الطامحين المغمورين في هذا المنصب.

ويرى جزء كبير من المشاهدين أنّ المناظرات كانت فرصة لعقاب من استسهل الوصول الى الرئاسة دون امتلاكه لمؤهلات تذكر، فالطريقة التي بدا عليها بعض المرشحين خلال المناظرات كانت مخجلة وصادمة. إذ مثل هؤلاء أمام الشعب بشكل مباشر، وظهر كثير منهم متلعثما مرتبكا غير قادر على الإجابة على الأسئلة، فيتنكر لها ويتجاهلها ويطرق موضوعا آخر لا علاقة له بالمادة التي سُئل عنها، ولم يقتصر الأمر على "الوافدين الجدد" على عالم السياسة، بل شمل أيضا مترشحين سبق وأن تولوا مناصب عليا في الدولة على غرار المنصف المرزوقي الرئيس السابق، ووزير الدفاع الحالي عبد الكريم الزبيدي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، ووزراء سابقين كُثر، تحولوا جميعا إلى مواضيع للتندّر عبر شبكات التواصل التي لم ترحم أيا من المترشحين، والتقطت سقطاتهم وهفواتهم.

لكن، ورغم موجات السخرية العارمة التي لم تستثنِ أي مرشّح، يبدو أنّ المناظرات التلفزيونية في تونس تمكنت من تقديم صورة مغايرة عن الحياة السياسية وعن النقاش الممكن داخلها. إذ تمكنت المناظرات رغم رتابتها وضعف أداء المرشحين، من جعل الصورة الكلاسيكية للحوارات السياسية تهتز قليلا، إذ ينتقل المشهد من الصراخ والخصام والسباب الذي يميز عادة الحصص التلفزية السياسية المباشرة، وكذلك النقاش داخل البرلمان الذي يتميز بالحدة وتدني مستوى الخطاب والسلوك، إلى حوار هادئ رصين بين سياسيين مختلفين حدّ التناقض، بما سمح للمشاهدين (الناخبين) بتكوين صورة مختلفة للغاية عن السياسية والسياسيين في البلاد، وهي صورة لم يتسنّ لهم معرفتها سابقا.

 

 

تأثيرها غير واضح

ربما من السابق لأوانه إبراز مدى تأثير المناظرات التلفزيونية في تونس على هوى ومُيولات الناخبين، كونها تجربة جديدة تحتاج وقتا "لهضمها" وتقييم تداعياتها، لكن آراء المهتمّين والمُختصين تختلف كثيرا حيال هذا المعطى.

إذ يرى كثيرون أنّ عودة الاستقطاب الهوياتي مع كل انتخابات تجرى في تونس (الرئاسية، التشريعية، البلديات) تجعل من العسير مثلا على ناخب مصطفّ وفق ثنائية "إسلامي / حداثي" أن يغيّر مرشحه بمجرّد مشاهدة مناظرات لم تمسّ جوهر اهتماماته. إذ أنّ صلاحيات الرئيس محدودة للغاية وتقتصر على الدبلوماسية والدفاع، في حين ينتظر التونسي حلولا تتعلق بالاقتصاد والمعيشة وفرص العمل، وغيرها من القضايا الحارقة التي لا تدخل في صلب صلاحيات الرئيس الذي حرمه دستور تونس الجديد من سلطته الضاربة.

في الديمقراطيات العريقة، للمناظرات التلفزية تأثير كبير، خاصة في أوساط المترددين الذين لم يحددوا اختياراتهم بعدُ، ورغم أنهم يمثلون نسبة ضئيلة، إلا أن أصواتهم قد تحدث خرقا واضحا في النتيجة النهائية.

 

يتنافس 26 مرشحا للفوز برئاسة تونس في الدورة الأولى للانتخابات التي تُجرى يوم الأحد 15 سبتمبر / أيلول 2019.
فعاليات ديمقراطية تونسية: عاشت تونس أيام 7 و8 و9 سبتمبر / أيلول 2019 على وقع مناظرات تلفزية نظمت للمترشحين للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها. ويتنافس 26 مرشحا للفوز بالرئاسة في الدورة الأولى التي تجري يوم الأحد 15 سبتمبر / أيلول 2019، في حين تجري الانتخابات البرلمانية التي تُفرِز رئيس الوزراء ورئيس البرلمان في السادس من أكتوبر / تشرين الأول 2019.

 

أما في بلد مثل تونس، يعيش انتقالا ديمقراطيا، فثقافة المناظرات مازالت حديثة، ولم يستقر لها شأن بعدُ، لكنها قد تكون شكلا من أشكال التدرب على الديمقراطية والمحاججة وعلنية البرامج، وأيضًا شكلا من أشكال الشفافية والضغط على المترشحين كي يكونوا منسجمين مع برامجهم في علاقتهم بالناخبين، ما يفسح المجال واسعا أمام محاسبتهم لاحقا.

وعلى النقيض مما سبق، قد تدخل المناظرات التلفزيونية ارتباكا لدى شريحة من الناخبين كانت إلى وقت قريب تثق في مرشحها، لكن المناظرة ساهمت في اهتزاز صورته، كما حصل مع المرشح البارز عبد الكريم الزبيدي وهو وزير للدفاع حاليا. إذ أن ارتباكه وتلعثمه وغياب الصفاء الذهني خلال ردوده وتجاهله للأسئلة، دفعت بكثير من منصاريه إلى إبداء الامتعاض والاستياء، كذا الأمر مع المترشح اليساري حمة الهمامي الذي بدا على غير عادته غائب التركيز وغير مقنع باعتراف أنصاره. 

ضِف إلى ذلك بعض التجاوزات التي حدثت خلال المناظرات، كاستعانة مترشح بوثائق، واستعانة آخر بهاتف جوال، وهي سلوكات يمنعها قانون المناظرة وسبق للمترشحين أن التزموا بها. ما دفع بكثيرين إلى التساؤل: "كيف سينضبط رئيس مفترض لقوانين البلاد في حين أنه لم ينضبط لقوانين والتزامات المناظرة التي وقع عليها بنفسه؟".

لقد كشفت هذه المناظرات تمسّك التونسيين بالنظرة الكلاسيكية لرئيس الجمهورية صاحب الصلاحيات الواسعة والقويّ والآمر الناهي في شؤون البلاد، وهي نظرة تتعارض مع حجم الرئيس وصلاحياته في الدستور الجديد، لكن المناظرات أزالت أيضا لدى التونسيين أوهاما نسجوها حيال طبقة سياسية عادةً ما تخاطبهم من وراء حجاب أو بمقاطع فيديو منمّقة وكلام يحفظ عن ظهر قلب، ثبت خواءه وهزاله مع أول احتكاك مباشر وعفوي مع الناس.

 

 

إسماعيل دبارة

حقوق النشر: إسماعيل دبارة / موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

إسماعيل دبارة صحافي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.