انتخابات في مصر ودول عربية بدون حياة سياسية

تمثيليات هزلية: موت السياسة؟ أم موت الديمقراطية؟

هناك عدة شروط لابد من توافرها لإجراء عملية انتخابية حقيقية، كلها غير متوفرة حاليا في مصر ومحيطها العربي. ولكن من المؤكد أن المواطن لا يريد أن يعرف شيئا عن تمثيلية تؤدي دورين: الأولى أنها ترضي القوى العظمى في العالم وهو أمر يمنح دفئا جميلا للعلاقات الدولية، والثانية أنها تمنح بعض الشرعية للنظام القائم. تعليق خالد الخميسي لموقع قنطرة.

تبدأ المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب المصري من 21 إلى 23 أكتوبر 2020، موعد تصويت المصريين المقيمين في الخارج، ثم يومي 24 و25 أكتوبر لتصويت المصريين في الداخل.

ويتم الإعلان عن نتيجة الجولة الأولى من المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب يوم 1 نوفمبر 2020، وذلك لينتخب أقل قليلا من ثلاثة وستين مليون ناخب مصري 568 عضو مجلس نواب بالاقتراع العام السري المباشر. ويتسابق في هذا السباق البرلماني 568 مرشحا أساسيا في 4 قوائم، و4006 مرشحين بالنظام الفردي. وبطل هذا السباق هي القائمة الوطنية من أجل مصر التي تضم عددا من الأحزاب.

جرت العادة في مصر خلال العقود الماضية التعبير عن فترة الانتخابات التشريعية والرئاسية بمصطلح العرس الديمقراطي، وكما في الأفراح والليالي الملاح تعج هذه اللحظات بمشاهد غناء ورقص أمام اللجان الانتخابية تعبيرا عن مفهوم العرس وعن مشاعر الفرحة والبهجة المرتبطة بعملية الانتخاب.

أمامنا إذن آلاف المرشحين، الذين يطمحون في الجلوس فوق مقعد مجلس النواب، وعدد كبير من الأحزاب لا أعرف عدده فمثلهم مثل الليمون كلهم سواء، و63 مليون ناخب إلا عشرات. ما أجمل العرس الديمقراطي.

ولأن من شروط العرس الإشهار، فلابد أن يعلم الناخبون أن هناك فرحا ديمقراطيا سوف يتم نصبه. لابد من نشر هذه الأخبار السعيدة في الصحافة، وبثها عبر الوسائل السمعية والبصرية. وهو ما يتم بالتأكيد.

"العرس الديمقراطي لا علاقة له بحياة البشر، فهو يهبط من عليائه على أعناق النساء والرجال"

ولكن وعلى الرغم من أن شروط الإشهار قائمة وبكفاءة، إلا أن هناك العديد ممن سألتهم من معارف لا يعرف أن هناك انتخابات تشريعية قادمة بعد أيام. فالصحف نسبة من يقرأها أصبحت ضئيلة للغاية، أما التلفزيون فأصبح للعديدين شاشة يعرض عليها ما يختار. أما من يعرفون بالخبر ممن حولي، فضحكوا من سؤالي وسألوا بدورهم ولماذا تهتم بمثل هذه الأمور العجيبة الغريبة؟

انتقلنا من مرحلة المقاطعة، إلى مرحلة عدم الاهتمام، إلى مرحلة عدم المعرفة.

وهو أمر لا علاقة له بمصر فقط وانتخاباتها، ولكن هو أمر غالب في الأغلبية العظمى من بلدان العالم. ففي الانتخابات البرلمانية الأخيرة في فرنسا أكثر من خمسين في المئة من الناخبين لم يمارسوا حقهم الانتخابي. وفرنسا من الدول التي يعتز مواطنوها بوعيهم السياسي.

 

مصر تبدأ التصويت لانتخاب برلمان جديد. أنصر السيسي يحملون ملصقات "تحيا مصر".
تمثيلية هزلية: انتخابات برلمانية في مصر بدون معارضة حرة وأعلام حر. فتحت مراكز الاقتراع في مصر أبوابها اليوم لانتخابات برلمانية ستمتد لأسابيع ويتوقع أن يهيمن عليها مؤيدو الرئيس عبد الفتاح السيسي في ظل غياب أحزاب سياسية حقيقية وصحف معارضة حرة ومراقبة دولية.

 

هل نشهد موت السياسة؟ أم موت الديمقراطية النيابية؟ أم كلاهما؟

أصبحنا بين وجهتي نظر متناقضتين:

الأولى تؤكد أن الحاكم المهيمن على الأمور هو الحاكم بأمره في كل بلدان العالم.

والثانية أن العرس الديمقراطي لا معنى له لأن من ننتخبهم لا سلطة حقيقية لهم، وأنهم بلا حول ولا قوة، لأن هناك مؤسسات كبرى عابرة للقارات هي التي تمسك في يدها زمام الأمور.

ولكن من المؤكد أن المواطن المصري واثق أن النائب البرلماني ليس في يده شيء، ولا يريد هذا المواطن أن يعرف شيئا عن تمثيلية تؤدي دورين: الأولى أنها ترضي القوى العظمى في العالم وهو أمر يمنح دفئا جميلا للعلاقات الدولية، والثانية أنها تمنح بعض الشرعية للنظام القائم.

جرت العادة في إعلام العديد من الدول على اعتبار الانتخابات الرئاسية في عام 2012 التي نجح فيها محمد مرسي كانت أول انتخابات رئاسية ديمقراطية، هذا على الرغم أن هناك انتخابات رئاسية متعددة جرت في عام 2005، ولم يكن مبارك حينها في حاجة إلى تزوير نتائجها.

غير أن نتائج الانتخابات في الحالتين كانت غير معبرة عن رأي جموع المصريين. فالقضية ليست قضية تزوير الانتخابات، وليست إنها انتخابات حرة أو غير كذلك، وليست في عدم اتباع القواعد الخاصة برشوة المرشحين للفقراء، أو في مراقبة الميزانيات المدفوعة من قبل المرشحين، وإنما في أن هذا العرس الديمقراطي لا علاقة له بحياة البشر، فهو يهبط من عليائه على أعناق النساء والرجال.

 

 

هناك عدة شروط لابد من توافرها لإجراء عملية انتخابية، كلها غير متوفرة حاليا في مصر ومحيطها العربي:

أولا ولنبدأ بالأهم وهي وجود حياة سياسية، أي قدرة كل مواطن من المرحلة المدرسية إلى نهاية العمر أن يلعب دورا في إدارة الشأن العام ولو كان إدارة الشارع الذي يسكن فيه. في بلادنا العربية لا توجد حياة سياسية، ولا فصل حقيقي بين السلطات الثلاث.

وثانيا أن يتمكن من ننتخبهم من القيام بدور حقيقي في إدارة الشأن العام، وهو امر غير متحقق. أما عن الأحزاب فوجودها مثل عدمه، وألوانها أصبحت غائمة، فلا الحزب الاشتراكي اشتراكي، ولا الحزب القومي قومي. كلها هنا للرقص على حلبة العرس الديمقراطي.

وتكمن المشكلة هنا أن رغبة المواطنين في المشاركة الجادة في الحياة العامة أصبحت أكثر قوة ووضوحا عن العقود الماضية.

هل هناك فجوة بين الأجيال في تقدير الديمقراطية التمثيلية؟

يبدو لي ذلك. فنسبة كبيرة ممن هم دون الثلاثين يرون أن هذه التمثيلية الهزلية المتمثلة في التمثيلية السياسية، أي أن يمثل أو ينوب أفراد عن الشعب في أداء دورهم السياسي أصبحت بلا طعم وبرائحة تزكم الأنوف. أما من هم فوق الأربعين فيتساءلون دائما نفس السؤال: وهل هناك نظاما أفضل؟

ولو قررت حكومة ما القيام بتزوير أي انتخابات فسوف يكون التزوير في نسبة المشاركة، والجهود سوف تكون في الأساس موجهة لإجبار او اقناع عدد أكبر للتوجه إلى صناديق الاقتراع وليس فيمن سوف ينتخبونهم، فكل المرشحين من الأحبة. وعلى الرغم من هذا سوف تكون نسب المشاركة هزيلة. وهنا سوف تواجه كل حكومات العالم نفس المعضلة، كيف يمكننا الحديث عن حكومات نيابية دون أن يقوم بفعل النيابة أغلبية السكان؟

ما العمل؟

القضية هنا هي قضية شرعية الحكومات. والشرعية أمر أساسي في عالم السياسة.

يجب أن تستند الشرعية على المساواة Equity وليست على صندوق الانتخابات. والمساواة هنا بمعنى المساواة في الفرص.

فالجميع يجب أن يكون لديه نفس الفرصة في الحصول على حقه في التعليم، وفي التعبير عن نفسه، والتعبير عن مصالحه الاقتصادية والاجتماعية، وعن قدرته في إدارة الشأن العام.

لابد أن نبتدع نظاما جديدا لإدارة السياسة وإلى حينها فلن أهتم ولن أشارك في أي تمثيليات تمثيلية.

 

خالد الخميسي

حقوق النشر: قنطرة 2020

خالد الخميسي روائي مصري، وكاتب، ومحاضر، وناشط ثقافي. تمحورت أعماله الروائية: "تاكسي"، و"سفينة نوح"، و"الشمندر" حول المجتمع المصري وتشريحه في نصف القرن الماضي. ترجمت أعماله الروائية إلى العديد من اللغات. نشر في عام 2014 كتابه الأول خارج فن الرواية: "2011 نقطة ومن أول السطر". تعرض مقالات الخميسي في مصر والخارج مزيجًا من خلفيته كمحلل سياسي وكاتب روائي.

 

..........

طالع أيضا:

خالد الخميسي يكتب: وطننا العربي يعاني من نظام غير متسامح مع الآخر 

"على الإنسان أن يكون إنساناً قبل أن يكون متديناً" ـ

لماذا فشل العالم الإسلامي وتقدم الآخرون؟

انفصام النخب العربية عن واقع الشعوب

.........

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة