انسحاب الناتو من أفغانستان نذير حرب أهلية ولجوء

خيانة غربية للأفغان زلزالها ممتد إلى أوروبا؟

ينوي حلف الناتو -بمن فيه الأمريكان بقيادة جو بايدن- الانسحاب من أفغانستان بحلول أيلول/سبتمبر 2021. انسحاب خطير له عواقب مجهولة، يخشى أفغان كثيرون أن يكون منها اندلاع حرب أهلية في جبال الهندوكوش، وبالتالي موجة لجوء جديدة يمتد زلزالها حتى ألمانيا. تحليل الباحث الألماني شتيفان فايدنَر لموقع قنطرة.

لم تمضِ ثلاثةُ أشهر منذ توليه منصبه حتى أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن أخطر مناورة حتى هذا الوقت خلال ولايته الرئاسية: الولايات المتَّحدة الأمريكية تريد بحلول الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2021 - في الذكرى العشرين للهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن - سحب قوَّاتها من أفغانستان. سيكون هذا الانسحاب مع ذكرى أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر بمثابة نهاية رمزية لحقبة مكافحة الإرهاب وعمليات تغيير الأنظمة وبناء الأمة. ولكنه يبدو بمثابة اعتراف بالفشل.

مقبرة الإمبراطوريات

لم يتحقَّق بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 أي طموح من الطموحات المبالغ فيها الخاصة بإدارة بوش حينها في الشرق الأوسط. واليوم باتت تسيطر على المنطقة إيرانُ وروسيا وتركيا ودول الخليج العربي وإسرائيل. وبهذا ينتهي فصلٌ آخر من التاريخ إلى "مقبرة الإمبراطوريات"، مثلما سمَّى البريطانيون أفغانستان في القرن التاسع عشر.

في عام 1989، أُجْبِر السوفييت على الانسحاب مُحْبَطين بعد عشر سنوات من الحرب. وبعد عام واحد، انهارت الكتلة الشرقية الشيوعية. وبذلك فإنَّ إستراتيجية تسليح الإسلام المتطرِّف الأمريكية ضدَّ الشيوعية خلال الحرب الباردة قد حقَّقت هدفها. ولكنها بذرت أيضًا البذور، التي هزَّت بشدة في آخر المطاف الولايات المتَّحدة الأمريكية نفسها: فأُسامة بن لادن، وهو العقل المدبِّر للهجمات، كان قد كبر هو وتنظيمه القاعدة إلى حدّ الغرور خلال الحرب الجهادية ضدَّ السوفييت في أفغانستان. وبعدما تم إبعاد السوفييت، صارت غايتهم محاربة آخر قوة عظمى متبقية، أي الولايات المتَّحدة الأمريكية.

عملية عسكرية مبرَّرة. ولكن ماذا بعد ذلك؟

 

الجيش الأمريكي في أفغانستان. Foto: Getty Images/AFP/W.Kohsar
جندي أمريكي يخدم في أفغانستان: لم تمضِ ثلاثةُ أشهر منذ توليه منصبه حتى أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن سحب الجنود الأمريكيين. الولايات المتَّحدة الأمريكية تريد إعادة قوَّاتها من أفغانستان إلى الوطن بحلول الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2021 - الذكرى العشرين للهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن. هذه "أخطر مناورة حتى هذا الوقت خلال ولاية جو بايدن الرئاسية. سيكون هذا الانسحاب … بمثابة نهاية رمزية لحقبة مكافحة الإرهاب وعمليات تغيير الأنظمة وبناء الأمة. ولكنه يبدو بمثابة اعتراف بالفشل"، مثلما يكتب الباحث الألماني شتيفان فايدنَر في تعليقه.

 

تلك الهجمات الإرهابية العنيفة المُنسَّقة من قِبَل أسامة بن لادن في أفغانستان، لم تترك للولايات المتَّحدة الأمريكية أي خيار آخر سوى طرد حركة طالبان، لأنَّها كانت تؤوي أسامة بن لادن وترفض تسليمه بعناد. وبالرغم من هزيمة طالبان، لكن أسامة بن لادن ظلَّ مختفيًا.

ومن أجل الحيلولة دون عودة حركة طالبان، كان يجب تحويل أفغانستان إلى دولة ناجحة دستورُها تَقَدُّمي وتَوَجُّه ناسِها غربي، وهذا مثالٌ نموذجي لما يُعرف باسم بناء الأمة. ولكن كان من الواضح منذ فترة طويلة للكثير من المراقبين أنَّ هذا المشروع قد فشل.

ولذلك يبدو في البداية أنَّ قرار جو بايدن الانسحاب من أفغانستان مفهوم. تعتبر هذه العملية العسكرية، التي استمرَّت عشرين عامًا، أطول عملية عسكرية في التاريخ الأمريكي. لقد أصبح إرهاقُ الولايات المتَّحدة الأمريكية من هذه الحرب واضحًا كلَّ الوضوح في هيئة ترامب، الذي بدأ مفاوضات السلام مع طالبان. وبالمناسبة، أكَّد جو بايدن من جانبه على أنَّ الأمريكيين قد حقَّقوا هدفهم الفعلي، وهو: أنَّ أفغانستان لن تعود من جديد قاعدة لشنّ هجمات ضدَّ الولايات المتَّحدة الأمريكية.

طالبان تتأهّب للتقدُّم

ولكن بحسب هذا المنطق كان يجب على الولايات المتَّحدة الأمريكية الانسحاب فعلًا في عام 2011، عندما كان جو بايدن نائبًا للرئيس وتم العثور على أسامة بن لادن وقتله في باكستان. وكان يوجد سبب وجيه لعدم ترك الأفغان آنذاك يُديرون شؤونهم بأنفسهم: فقد كانت حركة طالبان تتأهَّب للتقدُّم من جديد. لذلك رفع أوباما تواجد قوَّاته في أفغانستان إلى مائة ألف جندي. ومع ذلك فقد تمكَّن المنتمون لحركة طالبان من ترسيخ وجودهم. واليوم هم الحُكَّام غير الرسميين في أجزاء كبيرة من الأرياف الأفغانية. ولم يعد هناك أحد في مأمن منهم حتى في كابول.

وبالتالي فإنَّ الانسحاب الأمريكي لا يمثِّل فقط اعترافًا بفشل الخطط الأكبر والأنبل من أجل أفغانستان، بل يُعتبر عملًا من أعمال الأنانية السياسية على مستوى سلف جو بايدن، دونالد ترامب. وهو خيانة لشرائح كبيرة من الشعب الأفغاني، لكلّ الذين وثقوا بوعود الغرب وقيمه وحاولوا التمتُّع بقدر متواضع من الحرِّية. لذلك فإنَّ لديهم خوفًا كبيرًا من حركة طالبان وثأرها وأعمالها الانتقامية.

 

 

ولديهم الحق في ذلك، مثلما تُبيِّن التقارير الصحفية والرسمية الواردة من أفغانستان. وعلاوة على ذلك بات يجب الآن شطب المليارات المُسْتثمَرة في مساعدة أفغانستان. فبعد عشرين عامًا على أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، تستفيد من العديد من مشاريع البنية التحتية الجيِّدة جماعةٌ تعتبر من الجماعات الأكثر تخريبًا وهدمًا، التي أنتجها الإسلام المعاصر.

خوف من المستقبل

هل يُصوِّر هذا التقييمُ المتشائم الوضعَ بصورة سوداوية؟ يبدو نظريًا أنَّ الانسحاب من عمليات عسكرية خارجية مشكوك فيها يعتبر عملًا جيِّدًا. ولكن إن انسحب الغرب من دون آفاق واقعية من أجل مرحلة ما بعد الانسحاب، فهو يتهرُّب بذلك من المسؤولية. لقد قال جو بايدن إنَّ دعم الحكومة الأفغانية المنتخبة سيستمر، وإذا اقتضت الحاجة حتى بقوَّات خاصة وقاذفات قنابل بعيدة المدى وطائرات مسيَّرة من دون طيار.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة