وكانت اللغة العربية هي لغة العلم العالمية. والدينار العربي-الإسلامي دولار العالم. والصك الإسلامي أول أبجدية العولمة التجارية. وأساليب المعاملات المالية الحديثة وفي أساسها التقنية المصرفية التي امتهنها يهود الأندلس ثم نقلوها معهم إلى أوروبا ... ثم مع ضمور الطاقة المعرفية لمنطق التفكير العقلاني، أمام اكتساح الإيديولوجية السلفية النقلية، ضمرت الدافعية الابتكارية في تفعيل العقل الحضاري. 

 

 

قرون الظلامية

ولم يكن سقوط بغداد تحت سنابك المغول، ثم سقوط غرناطة بسيوف النصارى، إلا نتيجة لمدخلات الوهن الحضاري الذي أخذ يفعل مفاعليها في الأذهان والأعيان منذ أن خمدت العقلية العلمية والعقلانية الفلسفية الإنسية مع القرن السادس الهجري لتهيمن العقلية النقلية والذهنية التحريمية هوانا على هوان. ومنذ تقييد العقل بالنقل وتكتيف منهج الشك النقدي بالإيمانات الغليظة وتوظيف ابتهالات تعظيم الله سلطان الكون في تعظيم الخليفة سلطان الأرض. وبالتالي توظيف الإسلام في خدمة إيديولوجية سلطة وثوقية، همها دوامها على حالها خلفا عن سلف، حتى تحولت الإمبراطورية العربية الإسلامية إلى تركة بائرة يتداولها سلاجقة وترك وكرد وتتار ومماليك ... وإذ حُظر الاشتغال بالفلسفة، واُتهم ابن رشد بالكفر والضلال والمروق وزيغه عن دروب الحق والهداية وأحرقت كتبه، انغلق المسلمون على وجودهم التاريخي في كهف قرونهم الظلامية ومضوا أظلم فأظلم في غيبوبة التاريخ.

فيما استيقظ الغرب من غيبوبته متلمساً وعيه بالتاريخ والعقل والعلم، وبدأ تدريس كتب ابن رشد في أغلب جامعات أوروبا الناشئة حيث انشئت جامعة بولونيا كأول جامعة تبنى في أوروبا عام 1088م بعد أكثر من قرنين على جامعة القرويين بالمغرب. وليس من غير دلالة إبستيمولوجية أنه بعد  سقوط غرناطة أخر معاقل المسلمين في الأندلس عام 1492، انطلق الغرب في العام نفسه، ومن الأندلس، في اكتشافات مجاهل الأرض ما وراء محيط الظلمات، عندما أبحر كريستوف كولمبس وجهته الهند، مأخوذا باستيهامات صليبية عن تطويق العالم الإسلامي. لكنه اكتشف عالما جديدا: أمريكا ... لتبزغ شمس الحضارة الكونية من الغرب.

 

فرج العشّة

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة