صعوبة الفصل بين الفردانية وحيادية الدولة تجاه مجتمعها

المبدأ الأخلاقي الواحد ناظم لكل مجالات الحياة، أما الحرية الفردية فستكون مصانة. لكن هذا قد سبق وقرره أيضاً الشيوعي والفاشي، وإن لم ينجحا في تحقيق الحرية في تجاربهما التاريخية، كما قرر المودودي، ولا نعلم كيف سيضمن المودودي أن مصيرها في «دولته» لن يكون كمصيرها في التجارب السابقة.

سؤال الحرية في مواجهة هذه الأيديولوجيات الكبرى شائك، فهل يمكن للمرء أن يختار بملء حريته ما يتعارض مع المبدأ الكلي والناظم للمجتمع؟ هل تدخل حرية الاعتقاد والخيارات الأخلاقية الخاصة، في الدولة الإسلامية المرجوة لدى المودودي مثلاً، في باب الحرية الفردية؟ لا يبدو ذلك، فالدولة ملتزمة بتحقيق مجتمع قائم على معايير أخلاقية وشرعية على الجميع الالتزام بها، كما على الدولة الانتصار لها.

المشترك بين كل الطوباويات السالفة هو التصور الرسالي عن الدولة، إذا استعرنا الصيغة البعثية عن رسالة الأمة العربية الخالدة والتي لا تتحقق إلا في الدولة القومية للأمةالدولة تناضل من أجل رسالة تحملها على عاتقها وتسعى إلى تحقيقها، قد تكون هذه الرسالة حتمية تاريخية أو حقيقة الأمة والعرق أو القيام بالدين. الدولة ملتزمة بمبدأ عام تسعى إلى تحقيقه وحمل الجميع على الاقتضاء به، والحرية مسموحة طالما أنها لا تتعارض مع هذا المبدأ الناظم لشؤون المجتمع ومعنى الحياة. تملك الدولة سلطة هائلة تسمح لها بالتدخل في كل شيء، حيث لم يعد هناك ما يفصل بينها وبين المجتمع. هي ليست دولة محايدة أو مقيدة أمام المجال الخاص لمواطنيها، إنما دولة تحمل على عاتقها رسالة حول كيف يجب أن تكون الحياة.

البعد الرسالي للدولة يتلازم مع الحرب من أجل تحقيق هذه الرسالة في مواجهة من لا يؤمنون أو يلتزمون بها، وبهذا فإن عالم هذه الدولة مقسوم إلى فسطاطين، فسطاط الإيمان أو البروليتاريا أو الأمة، وفسطاط الكفر أو البورجوازية أو الخونة وأعداء الأمة. نشأت الدولة الرسالية عبر الحرب وعاشت حتى نهاية حياتها في حرب مع مجتمعها.

لا يبدو أنه من الممكن الفصل بين الفردانية وحيادية الدولة تجاه مجتمعها، حياديتها تجاه المعتقدات الدينية والأخلاقية لمواطنيه. حيث تكف الدولة عن النظر إلى نفسها باعتبارها ذات رسالة أخلاقية أو مبدأ أعلى، مكتفية بحماية خيارات الأفراد، وهؤلاء أيضاً يكفون عن النظر إلى أنفسهم باعتبارهم جماعة ذات رسالة كونية ما، عليهم إيصالها للجميع. بالمقابل فإن الفردانية ستؤدي إلى فقدان الناس للإطار الأخلاقي ومعنى الحياة الذي امتلكوه سابقاً. لقد ربحوا فردانيتهم وحريتهم ولكنهم في المقابل خسروا الرابطة الحميمية والألفة مع العالم التي عاشوها، أو تخيلوا أنهم عاشوها سابقاً.

الفردانية وحيادية الدولة وتخليها عن أية رسالية تنسبها لنفسها من جهة، والتشظي في التجربة المعاشة وافتقادها أي بعد أخلاقي أو معنى عام تتعرف فيه إلى نفسها وما يؤدي إليه من اغتراب من جهة أخرى، هي قضايا مترابطة لا تقبل فكاكاً. في المقابل فإن استعادة معنى متعالٍ (أخلاقي أو غائي) للحياة، بما يمكّن من تجاوز الاغتراب، سيتم عبر الفعل الكفاحي لدولة رسالية نشطة وغير محايدةهذا سيؤدي بدوره إلى إهدار الفردانية وإعادة تربية المواطنين بما يتوافق مع القيم الأساسية وخوض حرب ضد من لا يقبل بها.

التجربة التاريخية للقرن العشرين تُظهر أن الأثمان التي دُفعت لتجاوز الاغتراب كانت أضعافاً مضاعفة لكلفة هذا الاغتراب، ولم تؤد في النهاية إلا إلى توحش أهدر حياة الملايين من البشر ولم يكرس قيماً أخلاقية نتكئ عليها. لكن لم يزل هناك من يريد أن يعيد التجربة وكله أمل أن يكون الناتج مختلفاً.

درس القرن العشرين: احذروا الطوباويات.

 

موريس عايق

حقوق النشر: قنطرة 2018

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.