لا توجد لدى الجيش أية مصلحة في انخفاض مستوى مبيعات وعدد زبائن مصنع البيرة أو حتى إغلاقه، مثلما يطالب بذلك كثيرون من المسلمين المحافظين: لأنَّ الجيش لا يزال يملك حصة مالية كبيرة في المصنع ويكسب جيِّدًا من أرباحه. كان مصنع بيرة مري طيلة سنين عديدة من أسرع الشركات نموًا في باكستان، واليوم يعمل في مقره الكائن في روالبندي وحده أكثر من مائتي شخص.

يقول بهندارا أثناء حديثه في المكتب إلى مساعده ومستشاره، صبيح الرحمن: "الموظفون العاملون لدينا هم مثل مرآة للمجتمع في هذا البلد -فمعظمهم من المسلمين- وكذلك غالبية زبائننا". وصبيح الرحمن الذي كان في السابق رائدًا في القوَّات المسلحة الباكستانية، يعمل في الشركة منذ سنين عديدة، وهو المسؤول عن زيارات وفود السفارات الأجنبية و الشركاء التجاريين.

وخدمات صبيح الرحمن مطلوبة - لأنَّ مصنع البيرة هذا يقع في منطقة تخضع لحراسة مشدَّدة يتم تأمينها من قِبَل الجيش بحواجز ونقاط تفتيش، ولا يمكن لعامة الناس الوصول إليها. غير أنَّ السبب لهذه الإجراءات الأمنية المشدَّدة لا يعود إلى إنتاج الكحول هنا بقدر ما يعود إلى حقيقة أنَّ رئيس أركان الجيش الباكستاني - وهو ربَّما الشخص الأقوى في الدولة بعد الرئيس ورئيس الوزراء - يقع مقر إقامته وعمله بالضبط مقابل مصنع البيرة. ولذلك لا يمكن بالمعنى الحرفي إغفال قرب منشأة المصنع من الجيش.

الإفلات من القانون

ولكن كيف يمكن للمرء كمواطن باكستاني أو أجنبي الحصول على منتجات مصنع البيرة الكحولية؟ لم يعد يوجد منذ منع الكحول في عام 1977 سوى عدد قليل من الفنادق والمطاعم وقنوات التوزيع التي يُسمح فيها بتقديم المشروبات الروحية وبيعها. وإذا جمعنا عدد جميع الحاصلين على تراخيص لبيع الكحول في جميع أنحاء باكستان، فسنجد أنَّ عددهم أقل من خمسين شخصًا. ففي كراتشي، على سبيل المثال، وهي مدينة يبلغ عدد سكَّانها نحو عشرين مليون نسمة، توجد من ثلاثة إلى خمسة متاجر لبيع الكحول وثلاثة فنادق ومطعم واحد فقط يتم فيه تقديم المشروبات الكحولية.

 

مدير مصنع بيرة مري، اسفن یار ایم بھندارا، ينتمي إلى أقلية البارسيين غير المسلمة في باكستان.  Foto: Philipp Breu
امتيازٌ نادر: ينتمي مدير مصنع بيرة مري، اسفن یار ایم بھندارا، إلى أقلية البارسيين في باكستان. الأشخاص غير المسلمين مثل البارسيين أو المسيحيين أو الهندوسيين هم الوحيدون الذين يَسمح لهم القانون بشراء الكحول في باكستان. تُشكِّل هذه الأقليَّات مجتمعةً أقل من خمسة في المائة من السكَّان. وهذا يساوي أقل من تسعة ملايين زبون محتمل للمنتجات الكحولية التي تنتجها شركته.

 

من الناحية القانونية يجب على كلِّ حامل ترحيض لبيع الكحول في باكستان أن يتحقَّق مما إذا كان يحق لزبائنه شراء واستهلاك الكحول. ومن أجل ذلك يتعيَّن على الزبائن الحصول على إذن من وزارة الداخلية. ولكن الأجانب - على الأقل - لا يتم سؤالهم عن أية أوراق عندما يحاولون بأنفسهم سواء في المطعم الوحيد الحاصل على ترخيص في كراتشي - وهو مطعم صيني - أو في الفنادق أو محلات بيع المشروبات الروحية.

والمحل الذي تباع فيه المشروبات الروحية، لا يمكن التعرُّف عليه من الخارج كمحل لبيع الخمور، تثير الانتباه فقط العديد من الدرَّاجات النارية الصغيرة المتوقِّفة أمام بابه. يفضي هذا الباب إلى غرفة صغيرة فيها شبَّاك بيع محمي بقضبان، يزدحم أمامه حشدٌ من الزبائن - تقريبًا خمسة عشر زبونًا، يدفعون المال إلى العاملين الذين يقومون بلفّ زجاجات الخمر بأوراق صحف صينية ثم يضعونها في داخل أكياس بلاستيكية.

تتم عملية البيع بسرعة وسرية، ويخرج معظم الزبائن من المحل بعد ثلاثين ثانية، ولا يُسأل أي أحد عن أية أوراق. أكَّد مالك المحل، وهو شخص هندوسي، بعد سؤالنا له، قائلًا : "بالطبع، معظم زبائني مسلمون، إنْ لم يكن جميعهم ​​في الحقيقة مسلمين. هكذا هي الحال في باكستان. مصنع البيرة يُوَرِّد لنا، وفي النهاية الجميع سعداء بالبيع".

يستطيع اسفن یار ایم بھندارا التعايش بشكل جيِّد مع حقيقة أنَّ الكحول يتم بيعه بشكل غير قانوني في جميع أنحاء باكستان. وفي هذا الصد يقول مستخفًا: "جميع زبائننا لديهم ترخيص وهم معتمدون من قِبَل الحكومة لبيع الكحول. أمَّا كيف يبيعون الكحول وإن كانوا يسألون في الحقيقة كلَّ زبون عن الأوراق، فهذه مسؤوليتهم وليست مسؤوليتنا. فنحن لا نبيع للمستهلكين".

 

 

فيليب بروي

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.