الصدمة الرابعة: أوساخ، وألفاظ جنسية

الصدمة الرابعة: كنت في سوريا أجد عذرا أحيانا لمن لا يتقيد بقواعد النظام العام ونظافة المكان كون الفساد السياسي قد يكون مقدمة لفساد المجتمع والناس كما يقول المتنبي: ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا، وإذا بي أجد عدم رغبة في أوساط اللاجئين بالتقيد بالنظام العام وقوانين الصحة العامة. أصبح طبيعيا أن تقرأ في بعض الأمكنة العامة باللغة الألمانية والعربية معا: لا تدخن هنا، التدخين ممنوع، وليس من اللائق عندما تذهب أسرة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع على ضفاف بحيرة أو في حديقة عامة يسمح بها طبخ الطعام وشواء اللحم أن تترك مخلفات ما تأكله أو الأوساخ والمحارم على الأرض، فهذا لعمري من أقبح المشاهد التي يجب معالجتها ومحاربتها والضرب بلسان النصيحة لكل من يستسهلها.

كما أنّ فئة الشباب ما دون السن القانوني قد تلقفت تعليمات شعبوية بأنهم بمنجى عن المحاسبة القانونية ولذلك تجد ممارسات سلبية وغير أخلاقية من هذه الفئة التي يسيء بعض أبنائها إلى سمعتهم وسمعة أهلهم وبلدهم بمراهقتهم وسلوكهم النشاز اجتماعيا كالتلفظ الجنسي القبيح في الشارع لعلمهم أنّ الفتيات لا يفهمن تلك الألفاظ الملقاة بالعربية.

كما أنّ من يزور أي شارع تسكنه وتديره الجاليات العربية يجد النفس العربي فيه من كثرة القمامة والأوساخ وأعقاب السجائر، خذ مثلا، شارع المطاعم العربية في بروكسل أو شارع العرب في برلين، ومن يراقب أي مبنى تسكنه غالبية عربية أو شرقية سيكتشف أنّ هذا الشارع من ذاك البيت وأنّ الخلل في طريقتنا للحياة رغم أننا نريد أن نعلم الآخرين: أننا أطهر منهم كوننا نتوضأ في اليوم خمس مرات!

حاوية قمامة في ألمانيا
نفايات رغم الجهود الكبيرة: بشكل عام بالرغم من الجهد الكبير الذي تبذله البلديات في ألمانيا من أجل جمع النفايات وإعادة تدويرها والاستفادة منها، إلا أنه وفي أيام معينة مثل الاحتفالات الكبيرة والكرنفالات تتجمع النفايات في الحدائق العامة والشوارع، مما يتطلب بذل جهود من أجل إعادة جمعها أو تخصيص حاويات أكبر لتجنب رمي النفايات على الأرض.

الصدمة الخامسة : انغلاق وعنصرية بعض الألمان

الصدمة الخامسة : وجود عينة من الألمان لا تقل دوغمائية وإيديولوجية عن بعض من تحدثنا عنهم، فكر منغلق أمام الآخر، عدم الرغبة بمصافحته ولا حتى الاقتراب منه والنظر إليه أو إلقاء تحية الصباح، هذه العينة أيضا مشبعة بالتحيز والفوقية والعنصرية ترى في القادمين الجدد شعوبا من نخب ثان وثالث ورابع، وللأمانة لم يشعر كاتب هذه السطور بتعاطف مع المسألة اليهودية إلا عندما صادف مثل هذه النماذج في أوروبا، حتى أنني عندما أتعرض لموقف عنصري بغيض، أفكر في البحث عن وطن قومي لي وحدي أعيش به بعيدا عن هذا المحيط! هذا حال يتعرض له أي لاجئ اليوم في القرن الحادي والعشرين فكيف كان حال هؤلاء العنصريين مع اليهود، وهم أكثر الشعوب تضررا وألما وعذابا من هذه العنصرية المقيتة في إحدى مراحل التاريخ الأوروبي، إنّه من القاسي جدا على المرء أن يكون هاربا من الأسدية ليقابل بعض نماذج النازية!

أجد كلّ ما سبق من حضور الديني على حساب الثقافي في شخصية بعض طالبي اللجوء والقادمين الجدد، وحمل تناقضات لا يمكن فهمها من كراهية للديمقراطية وللعلمانية رغم تحمل المشاق للوصول إلى هذه الدول وعدم رغبتنا في الالتزام بالنظام العام واحترام ثقافة المختلف أهم ما يشكل معوقات الاندماج الحقيقي للقادمين الجدد والمجتمع الألماني، فليس تعلم اللغة وفق الفلسفة الألمانية إلا مفتاحا ليس للعمل وللانخراط في المجتمع الألماني فحسب بل وللتلاقح الثقافي أيضا، إذ كيف تتعلم لغة قوم وتكون في منأى عن آدابهم وثقافتهم، وهو أهم ما يميز الثقافة الألمانية كونها على استعداد للذهاب لكل الثقافات والاستفادة من خبرات الشعوب وتجاربها فكيف سيكون تصرفهم يوم يرون في القادمين الجدد مشروعا عصيا على الانخراط في الثقافة العالمية المؤنسنة القيم والمعولمة من وجه آخر، وربما يكون هو التحدي الكبير الذي يجب على طالبي اللجوء والراغبين في الحصول على الإقامة الدائمة هنا مواجهته، كيف يمكن لنا أن نتصرف كألمان مع بقاء سوريتنا وهويتنا الثقافية؟

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : كاتب سوري: هذا أقسى ما صدمني في ألمانيا

هل يمكن الحصول ع المقال باللغة الالمانية ؟

Anonymous12.11.2017 | 12:46 Uhr